IMLebanon

“الانتخابات جايي ما رح نخلي واحد منّن يرجع”

 

 

طرابلس مدينة حزينة في النهار مظلمة في الليل

 

 

لا يختلف اثنان على أن طرابلس تمر بمرحلة اجتماعية واقتصادية صعبة لم تشهدها حتى في عزّ الحرب، ولكن لا يتفق اثنان في نفس الوقت على إطلاق تسمية واحدة على ما يحصل فيها اليوم، من فوضى اجتماعية وركود اقتصادي وتفلت وانعدام القدرة لدى العائلات على الصمود، لأنه باختصار، الوضع يتقلّب كل يوم من سيئ إلى أسوأ، والتنبؤ بما قد يحصل من يوم لآخر لم يعد ممكناً.

 

لم يتوقع أحد من أبناء طرابلس ومحبيها ومن أهالي الشمال، أن يصل بهم الزمن ليشاهدوا فَيحاءهم تعيش هذه المآسي كلها ودفعة واحدة. ولو ألقينا نظرة سريعة على أوضاع الناس والأسواق والشوارع، فنحن بكل تأكيد أمام مدينة شبه محاصرة أقله بالوضع الإقتصادي والإجتماعي المأسوي الذي يطوّقها من كل جانب. إفلاس المؤسسات وانهيارها صار واقعاً، وأوضاع التجار المادية والمعنوية في أصعب أحوالها. فالديون احتلت تفكيرهم ومحلاتهم فارغة من البضائع، ومن لديه بعض منها فهي من مواسم سابقة. فمن كان يتخيّل أن يمر ذات يوم بشوارع عزمي وقاديشا ونديم الجسر وغيرها من شوارع طرابلس العريقة ويجد أصحابها على العتمة ولا زبائن تدخل وتخرج كما اعتادت هذه الشوارع؟ ومن كان يتخيل أن يدخل إلى سوبرماركت في طرابلس وكأنه يدخل إلى مستودع لتخزين الحبوب، ولا يجد ما يحتاجه، بينما البرادات كلها مطفأة، ولا وجود حتى لمصباح إنارة؟ بل من كان يتخيل أن يأتي يوم تنعدم فيه الحركة في طرابلس بالكامل وتخلو شوارعها من ناسها، لتصبح مدينة حزينة في النهار مظلمة في الليل، يقضي أهلها وسكانها أيامهم ولياليهم، بحثاً عن أبسط مقومات الحياة، فيما يقضي شبابها وشاباتها أيامهم ولياليهم، بحثاً عن أي فرصة عمل في الخارج، أو أي فيزا لأي دولة قد تنقلهم من هذا الواقع القاتم والنفق المظلم، إلى مستقبل أوضح لن يجده بهذا الوضوح إلا في الخارج.

 

قد يخطر في بال أي أحد من طرابلس أو من خارجها، أن يتساءل عن دور البلدية وفاعلياتها وعن دور نواب طرابلس في هذه الأيام؛ ولماذا هم ليسوا على اتصال وتواصل مع هموم أهلها وأوضاع مدينتهم. أهالي طرابلس يعرفون الجواب سلفاً، لا بل هم قطعوا الأمل نهائياً من أي حراك لنواب المدينة وفاعلياتها وحتى بلديتها من الممكن أن يغيّر في واقع المدينة الصعب في شيء. فبين نواب يفضّلون الإجتماع في بيروت وتدارس هموم طرابلس – في إشارة إلى اجتماع نواب طرابلس الأخير بدعوة من الرئيس نجيب ميقاتي – ونائبة انتخبها أهل طرابلس مرتين وغادرت المدينة والبلد عند أول فرصة عمل لاحت لها في الخارج تاركة الناس التي انتخبتها، وبين بلدية غارقة بهمومها ومشاكلها وخلافاتها الداخلية على جنس الملائكة، وفاعليات امتهنوا الفقاعات الإعلامية والصورية على أي نشاط منتج، ضاعت المدينة وانهارت، ويعلم أهلها أن لما يسمّى بفاعليات الدور الأبرز في ما وصلت إليه مدينتهم لأنهم راكموا الثروات واشتروا الكثير من العقارات ومباني المدينة وتركوها هكذا من دون أي استخدام أو استفادة منها في مشاريع تنموية تشغيلية.

 

في طرابلس أثرياء في عالم السياسة وغيرها، بإمكانهم إنارة العالم العربي كله ومدينتهم بلا كهرباء. عندما تجالس أي طرابلسي من أي منطقة كان أو لأي فئة انتمى؛ تسمع الشكوى على لسانه وتشعر بالغصّة التي تخرج من القلب والندم الذي يعيش فيه بسبب خياره الإنتخابي الخاطئ الذي اتخذه وأتى على غير توقعاته. كلمة تتردّد على الألسن “الإنتخابات جايي.. بدنا نغيّر.. ما رح نخلي واحد منن يرجع”. فهل هذه مجرد تعابير تقال في زمن النقمة وسرعان ما يبدّدها عامل الوقت عندما تقترب الإنتخابات وتبدأ الرُشى والخدمات الشخصية بالتحرّك؟ أم أن ما يعيشه المواطن اليوم في طرابلس وغيرها قد جعل الجميع يدرك أن هذه الطبقة ميؤوس منها، وأن صانع الأزمات لن يكون يوماً هو نفسه مجترح الحلول؟ لننتظر ونرى لأن واقع الحال يقول:”الناس فعلاً تغيرت لأنو الأزمات بتغيّر”.