IMLebanon

إنقلابات ترامب

 

إذا كانت الأرقام والاستطلاعات في الولايات المتحدة ترجّح كفة دونالد ترامب على جو بايدن في المعركة الرئاسية المنتظرة في تشرين الثاني المقبل، فهذا يعني أنّ واشنطن قد تكون مُقبلة على سياسة خارجية تقلب التوازنات الدولية القائمة حالياً. ويلوّح ترامب في شكل صريح بأنّ هذه الانقلابات ستحصل.

سلسلة قنابل أطلقها ترامب في الأشهر الأخيرة، شكّلت صدمات حتى في داخل الحزب الجمهوري الذي فاز بترشيحه للرئاسة، وأبرزها:

1 – إذا خسرتُ المعركة الرئاسية، فسيكون ذلك نهاية الديموقراطية في الولايات المتحدة، ولن نشهد انتخابات فيما بعد.

2 – سيقع حمّام دم نتيجة تعرّض المهاجرين غير الشرعيين للمجتمعات الأميركية بالقتل والنهب والاغتصاب. فالكثير من هؤلاء «يشبهون الحيوانات».

3 – وفق ما نقل عنه رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، لن يدفع ترامب «أي قرش» لتمويل الحرب في أوكرانيا.

 

واستطراداً، ستنسحب الولايات المتحدة من الحلف الأطلسي، لأنّ العديد من الدول الحليفة لا يخصّص شيئاً من موازناته للشؤون الدفاعية، وعلى كل عضو أن يخصص مقدار 2% على الأقل من دخله القومي لهذه الغاية.

 

بل ذهب ترامب إلى التهديد علناً: أي دولة حليفة لا تفعل ذلك، لن ندافع عنها إذا تعرضت لهجوم من جانب فلاديمير بوتين، بل إنني سأشجّعه على ما يفعله.

 

طبعاً، ارتفعت في وجه ترامب أصوات أميركية كثيرة، حتى من داخل الحزب الجمهوري، تَتّهمه بمنح براءة ذمة لبوتين كي ينقضّ على دول أوروبية أخرى، بعد أوكرانيا. لكن ترامب لم يتراجع.

 

وهذا الموقف الأخير أحدثَ زلزالاً في أوروبا، حيث بدأ التفكير في استباق وصول ترامب بخطة تمويل لأوكرانيا، ركيزتها الأموال الروسية المجمدة، والتي تقدّر بـ290 مليار دولار، والتي يتمركز نحو ثلثيها في دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما بلجيكا.

وكذلك، درس أركان الأطلسي سبل توفير الدعم المستمر لأوكرانيا، في اجتماعات الذكرى 75 لتأسيس الحلف. وقرروا إنشاء صندوق بقيمة 100 مليار دولار لتأمين الدعم العسكري لكييف على مدى 5 سنوات، أي إنهم تحسّبوا ليستمر الدعم حتى انتهاء ولاية ترامب الرئاسية. وقد أطلقوا على الصندوق تسمية «المضاد لترامب». ويفترض إقرار الخطة قبل قمة تموز الأطلسية المنتظرة في واشنطن، فيما تعمل إدارة بايدن للحصول على دعم الكونغرس لإقرار مساعدة عسكرية لأوكرانيا قيمتها 60 مليار دولار.

 

وكان ترامب، خلال ولايته الرئاسية السابقة (2017-2021)، قد هَدّد جدياً بالانسحاب من الأطلسي، وسط توتر شديد في العلاقات بين إدارته والعديد من قادة الاتحاد الأوروبي، لا سيما الألمانية أنجيلا ميركل والفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي احتفال أقيم في فرنسا، العام 2018، لمرور 100 عام على نهاية الحرب العالمية الأولى، جرت مواجهة مباشرة بين ترامب وماكرون على خلفية دعوة الرئيس الفرنسي إلى بناء جيش أوروبي يوفّر للقارّة سبل الدفاع المناسبة. وهذا الطرح ووجِه بالسخرية من جانب ترامب الذي دعا الأوروبيين إلى وفاء ما عليهم للولايات المتحدة قبل أي شيء، وسَخر من ماكرون العاجز عن معالجة حالات الاعتراض الشعبي على سياسة حكومته الاقتصادية، والتي تحوّلت سريعاً إلى ما سمّي آنذاك تظاهرات «السترات الصفر».

 

في رأي بعض المتابعين أنه من غير الجائز المبالغة في الرهان على انقلاب في معادلات القوة الدولية، إذا عاد ترامب إلى السلطة، خصوصاً أن القرار في واشنطن لا يتخذه الرئيس وحده. لكنّ آخرين يخشون أن يقع الانقلاب فعلاً بتأثير من شخصية ترامب المتطرفة. وهذا الاحتمال هو الذي يدفع الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي إلى استنباط الخطط البديلة للدفاع عن أوروبا، على مدى 5 سنوات مقبلة على الأقل. وفي المقابل، تراهن موسكو على «الصبر» بضعة أشهر، انتظاراً لترامب. وكذلك، ترتاح الصين وكوريا الشمالية لعودته إلى البيت الأبيض، فيما يسود القلق كوريا الجنوبية واليابان وتايوان من تداعيات انقلاب المناخ الأميركي على موازين القوى في شرق آسيا.

 

وأما في الشرق الأوسط، فغزة تنتظر كما أوكرانيا. وعلى رغم عدم وجود مشكلات عميقة بين بنيامين نتنياهو وبايدن حول الخطوط العريضة لأهداف الحرب في غزة، فإنّ اليمين الإسرائيلي يفضّل عودة الفريق الأميركي الذي أقرّ مشروع «صفقة القرن»، والذي يجاريه في خطة التوسّع في غزة، وربما في ما ينتظر الضفة الغربية والقدس من تطورات دراماتيكية، عندما يحين أوانها.