IMLebanon

بوادر صراع تركي – إسرائيلي على لبنان

 

حظِيت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان باهتمام واسع، أكان على المستوى اللبناني المحلي أو حتى على مستوى المتابعة الدولية. صحيح أنّها الزيارة الثانية له إلى لبنان، لكنّها جاءت إثر محطتَين أساسيّتَين: الأولى وتتعلّق باتفاق الإطار الذي جرى توقيعه في سويسرا بين واشنطن وطهران، والذي لحظ لبنان في أول بنوده، والثانية وتتعلق بصيغة الإطار التي وقّعها لبنان مع إسرائيل في واشنطن. وتبدو الزيارة وكأنّها تحمل إشارات مفادها بأنّ سوريا (وتركيا من خلفها) تريد أن تكون جزءاً من مشروع إعادة رسم التوازنات في المنطقة.

جَهد الوزير السوري، والمعروف عنه بأنّه الرجل الثاني في النظام الجديد وبعلاقته الوثيقة مع تركيا، بإظهار تمسّك دمشق بتثبيت علاقة جديدة مع بيروت، ووفق ما تقتضيه العلاقات الطبيعية بين دولتَين جارتَين مستقلتَين. لذلك حرص على إظهار سعي بلاده لطَي صفحة الماضي وعلاقة الوصاية التي كان ينتهجها نظام آل الأسد. ولذلك جرى وضع برنامج لقاءاته وفق مبدأ الإنفتاح على مختلف القوى اللبنانية. كما كانت زيارته لرئيس المجلس النيابي نبيه بري المحطة الأهم بسبب الظروف الصعبة، لا بل العدائية، التي طبعت العلاقة بين «حزب الله» ومجموعات الثورة السورية خلال فترات الحرب، وهو ما انعكس على كامل الطائفة الشيعية في لبنان. ومن هنا، كان من المنطقي أن تحضر ملفات الحدود والتهريب وضبط المعابر والسجناء والنازحين. واستطراداً، كان لا بُدّ من تكرار موقف دمشق الداعم لأي مسار سياسي يؤدّي إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. لكن ثمّة ملفات أكثر حساسية لا بدّ أن يكون جرى طرحها في اللقاء الثنائي في عين التينة من دون مشاركة أي شخص ثالث، مثل موضوع ضباط النظام السابق، وحيث تعتقد دمشق أنّهم بحماية «حزب الله»، وفي المقابل أوضاع الشيعة السوريّين والمخاوف الأمنية التي تنتابهم. والملاحظ أنّ رسائل الشيباني البليغة والمعبّرة، صيغت بأسلوب هادئ وبعيداً من أي تحدٍّ أو استفزاز. وربما هذا ما دعا بري إلى القول إثرها: «لكل مرحلة رجالاتها».

 

لكنّ حصول هذه الزيارة في توقيت إقليمي ولبناني حساس إثر التوقيع على صيغتَي إطار وتأثيرهما على الخارطة السياسية الجديدة الجاري ترتيبها للمنطقة، على أنقاض النفوذ الإقليمي الإيراني الذي طبع العقود الماضية، جعل الأوساط المراقبة تتلمّس الرسائل التركية الخفية التي حملتها الزيارة. فأنقرة ترى أنّ الوقت أصبح ملائماً لتدعيم ركائز نفوذها الإقليمي الجديد، وهو ما دفع بالرئيس التركي إلى المجاهرة قبل أسابيع معدودة، بالمجال الحيوي الأمني التركي والذي يشمل دمشق وبيروت.

 

من هنا رمزية زيارة طرابلس، حيث بات الشيباني ليلته. وعلى رغم من حرص دمشق على عدم ترتيب برنامج طرابلسي يحمل طابع الاستعراض الشعبي، ربما لإدراكها سلفاً بأنّ التحرُّكات العفوية ستحصل بسبب الرابط العاطفي القوي الموجود، إلّا أنّه جرى رفع الأعلام السورية بكثافة، بعد أن كانت الأعلام الإيرانية تُرفَع بكثافة أيضاً في مناسبات مختلفة في الضاحية الجنوبية وبيروت. وجاءت الرسالة من «طرابلس الشام» واضحة، عبر إظهار مدى تأييد وتأثير النظام القائم في دمشق على شريحة لبنانية، كانت من الأساس مؤيّدة للثورة السورية، إلى درجة انخراط بعض الأفراد للقتال في صفوفها. ووسط المشهد الإقليمي المتشابك، أطلّت تركيا برأسها عبر الساحة اللبنانية من خلال زيارة الشيباني، وببرنامج مدروس وبشكل متقن. فالمحطة الطرابلسية تقول: التأثير السوري ليس محصوراً فقط بالحدود، بل عبر الساحة الشمالية الفسيحة أيضاً.

العربوشعوب الشرق الأوسط

 

لكن، وبالتزامن مع هذه الزيارة المثيرة، سُجِّلت وبشكل مفاجئ ثلاثة حوادث أمنية مريبة في سوريا، ما رسم علامات استفهام حول ما إذا كان هنالك من رسائل جوابية إقليمية للرسائل التي حملها الشيباني. أولى هذه الرسائل جاءت مع انفجار دمشق. والمثير هنا بأنّ المكان الذي طاله التفجير يقع بالقرب من وزارة العدل السورية، وحيث كان قد جرى البدء بمحاكمات تطال رموز نظام الأسد. وهو ما دفع للتساؤل، ما إذا كانت الجهة التي تقف وراء التفجير أرادت إبراز دوافعها؟ وبعد ساعات معدودة على حادثة انفجار دمشق جرى استهداف حاجز أمني عند مدخل مدينة جرمانا في ريف دمشق. أمّا المحطة الأمنية الثالثة، فكان مسرحها السويداء، حيث دارت اشتباكات بين قوى السلطة وميليشيا أبناء المنطقة، وسقطت إصابات عدة. ومن المنطقي الإعتقاد بأنّ إسرائيل هي مَن تستخدم «صندوق بريد» السويداء لتوجيه الرسائل إلى دمشق. فالسلطات الإسرائيلية كانت قد بدأت منذ مدة تحرُّكاً جدّياً لمنع تركيا من تحقيق طموحها في المنطقة والتوسع باتجاه جنوب سوريا ولبنان، وحيث تعمل إسرائيل على ترتيب الأوضاع في جنوب لبنان، والدفع باتجاه انتزاع لبنان بشكل كامل من الحضن الإيراني.

 

تتفق الأوساط الديبلوماسية بأنّ التحرُّك الأميركي باتجاه لبنان لا يبدو ثابتاً، وهو ما اتضح من التباين الذي ظهر ما بين ورقة بورغنشتوك وورقة واشنطن. وهو ما دفع للإستنتاج بأنّ إدارة ترامب لا تحمل سياسة واضحة تجاه لبنان وسوريا، على رغم من أنّها متمسكة بعناوين تكرّرها على الدوام. فهي من جهة تخوض مفاوضات صعبة وحساسة مع إيران، تحاكي السلوك السياسي الإيراني للعقود المقبلة، ومن جهة أخرى تبدو أسيرة الوقت الفاصل عن موعد الإنتخابات النصفية، وسط توسع دائرة المعارضة لبنود ورقة بورغنشتوك. ووسط نشاط اللوبي الصهيوني المؤثر في الداخل الأميركي، كان لا بدّ لترامب من الأخذ في الاعتبار للعديد من النقاط التي يثيرها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إذ يطال بعضها الساحة اللبنانية. وثمة همس في الأوساط الديبلوماسية، بأنّ الصدام الذي كان حصل بين ترامب ونتنياهو إثر التوقيع على ورقة سويسرا قد جرى تسويته، وهو ما أنتج دعماً إنتخابياً متبادلاً. فاللوبي الذي يتأثر بإسرائيل سيعمل لصالح لوائح الحزب الجمهوري، وفي المقابل سيساعد الرئيس الأميركي نتنياهو في معركته الإنتخابية. وهذا ما يجعل الأشهر المقبلة الفاصلة عن الإنتخابات الإسرائيلية والأميركية المتزامنة، فترة دقيقة لا بل خطرة. ويلفت في هذا المجال، ما أعلنته وزارة الدفاع الإسرائيلية عن البدء بتطوير منظومة القبة الحديدية، بناءً على الدروس المكتسبة من الحرب التي جرت. وصرّحت السلطات العسكرية الإسرائيلية، أنّ القدرات الجديدة التي اختُبِرت تعزّز استعداد إسرائيل لسيناريوهات الهجمات المختلفة التي «قد نشهدها مستقبلاً».

 

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المعارضة الضمنية لإسرائيل على صيغة الإطار التي جرت في واشنطن، والتي وافق نتنياهو عليها مرغماً كي لا يُغضب ترامب. في الواقع يبدو نتنياهو وكأنّه بحاجة لنقاط أمنية وعسكرية في لبنان يمكن أن تمنحه بريقاً إنتخابياً. ومن هذه الزاوية يمكن فهم التصويب الإسرائيلي على تلة علي الطاهر. فعدا الأهمّية العسكرية التي تمثله هذه التلة، ثمة جانب آخر له علاقة بالمردود المعنوي الذي بات يشكّله النجاح في السيطرة على هذا المكان.

تحليلسياسي

 

وخلال الأسابيع الماضية، رفعت إسرائيل من مستوى ضغوطها على قيادة الجيش من خلال واشنطن. وحاولت ترجمة وتطبيق المناطق التجريبية وفق مفهومها، وهو ما رفضته قيادة الجيش. ولأنّ نتنياهو غير مستعد لتنفيذ انسحابات جدّية من أي نقطة في الجنوب، فإنّ الشروع في تنفيذ صيغة الإطار جرى وضعه في الثلاجة، أقلّه في المرحلة الحالية. وقد ظهر ذلك جلياً مع رفض إسرائيل اقتراحاً أميركياً بالانسحاب ولو بشكل رمزي من منطقة تحتلها. وكان قد جرى طرح منطقة البياضة قرب صور، التي لا تشكّل قيمة عسكرية وميدانية لإسرائيل. وعلى رغم من ذلك رفضت إسرائيل. لا بل على العكس، رفع الجيش الإسرائيلي من مستوى خروقاته العسكرية، في رسالة واضحة بأنّه هو من يملك قرار حرّية الحركة العسكرية، وبأنّه متمسك بها، على رغم من أنّ «حزب الله» بقي ملتزماً بقرار وقف النار، ربما انسجاماً مع قرار إيراني بتمرير مرحلة المفاوضات الصعبة مع واشنطن، إذ بدا واضحاً أنّ الوضع الداخلي والمعيشي الإيراني بات بحاجة ماسّة للسيولة التي سيوفّرها الاتفاق في حال إقراره.

 

واستطراداً، لا بدّ من توقّع ارتفاع مستوى الضغوط الإسرائيلية على السلطات اللبنانية طوال الأشهر المقبلة. وتكشف المعلومات، أنّ إسرائيل، وإثر المفاوضات العسكرية غير المباشرة مع الجيش اللبناني التي حصلت في البنتاغون وشهدت مواجهات حادة، لم تكتفِ بطلب إزاحة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، بل أيضاً بتغيير عقيدة الجيش اللبناني. وقد أطلعت أوساط أميركية مسؤولين لبنانيّين كباراً على ما طلبته إسرائيل.

سياسة

 

ولأنّ المرحلة هي انتخابية بامتياز، فإنّ أرقام استطلاعات الرأي تصبح مهمّة جداً لنتنياهو. ومنذ أيام معدودة، أصدر مركز «متفيم»، المتخصِّص في متابعة السياسة الخارجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، تقريره السنوي بعنوان «مؤشرات السياسة الخارجية 2026»، والذي يتناول مزاج الشارع الإسرائيلي وتقييمه لسياسات إسرائيل الخارجية. وأورد التقرير أنّ 49% يؤيّدون استئناف الحرب على إيران بهدف إسقاط النظام، و17% يؤيّدون استئنافها من أجل التوصُّل إلى اتفاق أفضل مع النظام القائم. أي أنّ 66% يفضّلون استئناف الحرب. أمّا الذين يعارضونها، فنسبتهم 12% فقط. وبالنسبة إلى لبنان، فإنّ 66% يرون أنّ الحزام الأمني الذي أقامته إسرائيل في جنوب لبنان يخدم أمن سكان الشمال على المدى البعيد. وهو ما يعطي الإستنتاج بأنّ نتنياهو لن يُقدم على أي انسحاب، أقلّه خلال الأشهر المقبلة. كذلك، فإنّ 34% يفضّلون استمرار الضغط العسكري لنزع سلاح «حزب الله»، فيما يفضّل 18% ضغطا إقليمياً ودولياً تقوده الولايات المتحدة الأميركية والسعودية ودول الخليج. أمّا 16% فيفضّلون حصول ذلك عبر تقوية الحكومة والجيش اللبنانيَّين وبمساعدة دولية. وهو ما يعني بأنّ المجتمع الإسرائيلي يجنح ناحية الحلول العسكرية الإسرائيلية، وأنّ الدعم للحلول الديبلوماسية والسياسية أقل بكثير.

العربوشعوب الشرق الأوسط

 

أمّا حول سوريا، فكان لافتاً التراجع في فكرة إسقاط نظام أحمد الشرع عسكرياً، من 22% العام الماضي إلى 12% في 2026. وفي المقابل، ارتفعت نسبة المؤيّدين لاتفاق موقت أو طويل الأمد مع دمشق لتصل إلى 42%.

لكنّ المزاج الإسرائيلي تجاه دمشق قد يتبدّل بسرعة عندما سيرتفع منسوب النزاع بين إسرائيل وتركيا، إذ بدأت ملامحه تظهر عبر لبنان وسوريا. لكن لا بدّ للطرفَين من انتظار ما سترسو إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وكيف ستنعكس على خارطة النفوذ في المنطقة والفراغات التي قد تنشأ.

 

منذ بضعة أشهر، تحدّث نتنياهو عن حلف لا بدّ أن يجمع بين إسرائيل وقبرص واليونان ولبنان بوجه تركيا. ولا بدّ من التوقف ملياً أمام ما كان يعنيه فعلاً.