IMLebanon

الصّيف الساخن جنوباً والإيقاع الإيراني

 

 

 

بات اللبنانيون، ولا سيّما في الجنوب يترقّبون أي كلمة تصدر عن أي جهة أميركية أو إسرائيلية أو عربية في شأن استئناف مفاوضات الهدنة بين إسرائيل و»حماس» في غزة، لأن مصيرهم صار مرهوناً بها، طالما أن «حزب الله» اعتبر أنّ ربط وقف حرب الاستنزاف على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بوقف الحرب على القطاع، حقيقة واقعة مسلّمٌ بها. الأوساط الدبلوماسية الأجنبية في بيروت ترى أن هذا الربط يعني أنّ المواجهات في الجنوب ستطول، لأن لا أحد يعرف متى تنتهي الحرب الإسرائيلية على غزة. العسكريون الإسرائيليون السابقون وبعض مستشاري رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسرّبون بأنها ستمتدّ سنة وقد تبلغ السنة ونصف السنة، أي أن لا نهاية لها قبل تشرين الأول المقبل، إذا لم تستمرّ أكثر. وهذا يعني أن الصيف الساخن الذي وُعِد به اللبنانيون على الأبواب. حين يقول نتنياهو إن عملية اقتحام رفح التي يتّبع فيها سياسة القضم والتوسّع بالتدريج، ستستمرّ أسابيع، فمعنى ذلك أنها قد تتواصل شهرين أو ثلاثة. ولا يمكن استبعاد أن تتخلّلها، أو تتبعها عودة القوات الإسرائيلية إلى بعض مناطق شمال القطاع كلّما ظهر فيها مقاتلو «حماس»، مثلما حصل في مخيّم جباليا وحي الزيتون في الأيام الماضية. فكلّما انسحب الجيش الإسرائيلي من منطقة اعتقد أنه قضى فيها على وجود الحركة وسائر الفصائل، يكتشف أن مقاتلي المقاومة ما زالوا موجودين فيها ويخرجون من الأنفاق ليشتبكوا معه أو يطلقوا الصواريخ منها على أسدود وعسقلان. وهذا الأمر يمكن أن يتكرّر في الأسابيع والأشهر المقبلة، ما يعني استحالة وقف الحرب في جنوب لبنان.

 

على العكس من ذلك أثبتت الأيام الماضية جملة وقائع أبرزها:

 

– أن العمليات سواء الإسرائيلية أم تلك التي تقوم بها المقاومة، صارت أكثر تركيزاً في ما يخصّ استهداف المواقع العسكرية، وأكثر تدميراً في ما يتعلّق بالأبنية والمنشآت، وأكثر دموية في استهداف مواقع مدنية أيضاً، على الجانبين. وأخذ «الحزب» يستخدم فيها أسلحة متطوّرة أكثر من السابق، مثل المسيّرات المحمّلة بصواريخ دقيقة. واستخدامه أسلحة أكثر دقّة لم يكن ليتمّ وفق بعض المطلعين لولا التنسيق في ذلك مع إيران، التي زوّدته بها، وامتنع عن استخدامها التزاماً بالإيقاع المتروّي الذي اعتمدته طهران منذ البداية في تصعيد المواجهات.

 

– يلاحظ المتابعون لملاءمة «الحزب» وتيرة عملياته مع مقتضيات التفاوض الإيراني الأميركي غير المباشر، أنّ رفع مستوى المواجهة على جبهة الجنوب تزامن مع تصعيد الحوثيين تهديداتهم للملاحة الدولية بحيث أعلنوا قبل أكثر من أسبوع أنها لن تقتصرعلى البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، بل ستشمل البحر الأبيض المتوسط بذريعة ضرب السفن المتّجهة إلى إسرائيل. إلا أن اللافت أن الحوثيين عادوا فاستهدفوا في الساعات الماضية سفينة حربية أميركية، في وقت كثّف الطيران الأميركي قصف مواقع حوثية في الحديدة وغيرها. والحوثيون لا يرفعون مستوى الصدام مع أميركا من دون تنسيق مع طهران.

 

– أن تصاعد وتيرة القصف من الجنوب على إسرائيل شمل عودة «حماس» إلى إطلاق الصواريخ على الجليل الأعلى من جنوب لبنان، في الأيام الماضية. وتزامن ذلك أيضاً مع استقبال الأمين العام لـ»الحزب» السيد حسن نصر الله أول من أمس، وفداً قياديّاً من «حماس» برئاسة عضو المكتب السياسي للحركة، ونائب رئيسها (يحيى السنوار) في غزة الدكتور خليل الحيّة. والأخير قاد المفاوضات حول الهدنة التي قبلت بها الحركة ورفضها نتنياهو. وأعقب هذا الرفض بعد ساعات اقتحام جيشه معبر رفح، ورفعه وتيرة التوتر مع مصر. وبلغ التحدي الإسرائيلي لمصر حدّ تحميلها مسؤولية فتح المعبر من جهتها كي يخرج منه نازحو المدينة. وهذا ينبئ بمجازر جديدة سيرتكبها الجيش الإسرائيلي، ويستبقها نتنياهو بتحميل القاهرة المسؤولية عن بقاء المدنيين في المدينة.

 

– أنّ الأيام الماضية شهدت عودة «المقاومة الإسلامية» في العراق إلى قصف منطقة إيلات الإسرائيلية بمسيّرتين.

 

هذه الوقائع وغيرها تجعل من جهود التهدئة في الجنوب محاولات دبلوماسية هشّة، يصعب معها التفاؤل بضبط الجبهة الجنوبية. الأوساط الدبلوماسية المعنية بجهود التهدئة جنوباً وبمعالجة أزمات لبنان الداخلية والحدودية… ما زالت تسأل موحية بالجواب السلبي: كيف يفيد التصعيد في لبنان، غزة؟ كما أن هذه الأوساط تشير إلى ضرورة التفتيش على الجواب عن التساؤل حول كيفية استفادة إيران من هذا التصعيد.