IMLebanon

“بدنا ياهن” أحياء أو أمواتاً!

 

622 معتقلاً ما زالوا في سجون “الشقيقة

 

مفقودون، معتقلون، وكثير كثير من الشهداء. هو أيلول آتٍ، وهي آخر ورقة من روزنامة آب تسقط، وبين بين، بين آخر آب وأول أيلول تتزاحمُ المناسبات وتكرجُ التواريخ والمحطات، وتعترض المطبات، وتنتشر المآسي والإنتظارات، وتلوح الوجوه التي غابت أو غيّبت. الثلاثون من آب هو يوم المفقودين، وفي الأوّل من أيلول يوم شهداء “المقاومة اللبنانية”. وبين الشهداء من فقدوا و”نفتقد” وبين المعتقلين من انتظرنا وننتظر. وما هو أشدُّ إيلاماً حين يأتي الأسى ممن صُنفت “شقيقة”. 622 معتقلا في سجون “الشقيقة سوريا” سنسأل من جديد: وينن؟

علي أبو دهن، رقم 13، ابنُ حاصبيا، اعتقل في سورxيا في 27 كانون الأول العام 1987 وأفرج عنه في 15 كانون الأول العام 2000. ثلاث عشرة سنة تنقّل فيها بين فرع المنطقة (الشام) وبعده فرع فلسطين ثم فرع التحقيق العسكري يليه سجن تدمر ثم سجن صيدنايا. ثلاثة عشر عاماً إلا ثلاثة عشر يوماً وكان اسمه في سجن الشقيقة رقم 13.

 

13 هو شؤم في معادلة الأرقام لكنه لا يرى في شيء شؤماً ما دام ذهب الى جهنم وعاد وبقي حياً. لكن ماذا عن رفاقه؟ عن زملاء السجن الواحد والوجع الواحد وخيبات الآمال الواحدة؟

 

يتذكر أبو دهن، رئيس جمعية المعتقلين في السجون السورية، رفاقه كثيراً اليوم وكل يوم ويحسب أعمارهم ليتأكد أنهم قد يكونون أحياء “طيبين” بعد أم لا. هو ودّع سبعة يوم غادر سجن صيدنايا على أمل لقائهم قريباً. وسوريا نكرت وجودهم. سوريا دائما تنكر و”دولتنا” صدقت أو أرادت أن تصدق في محاولة لإقفال ملف طويل. المعتقلون الذين ماتت أمهاتهم ألف مرة ليسوا إلا ملفاً زائداً في ملفات تُرهق كاهل الدولة. لكن هل يجوز أن نتناساهم؟

 

يريدون تصحيح العلاقات اللبنانية – السورية؟ هذا لن يكون إلا من باب عودة الشباب، أو من اعتقلوا شباباً، الى بلادهم. فليعودوا أحياء أو أمواتاً. علي أبو دهن يُكرر هذه العبارة كما حكاية “إبريق الزيت”. لكن هل هناك من يسمع؟

 

ترك علي أبو دهن وراءه، في سجون “الشقيقة”، 627 معتقلاً، وخرج بعده خمسة. بقي 622. يا الله كم هي صعبة لغة الأرقام حين يُحذف منها أو يزاد في موضوع بهذه الحساسية، في مسألة حياة وموت، وانتظار وخوف، واعتقال قاس، جهنمي، كما الإعتقالات في السجون السورية.

 

لسنا نبالغ، يكفي أن نستمع الى من اعتقلوا وكتب لهم العمر الجديد حتى تقشعرّ الأبدان والقلوب. علي أبو دهن و23 معتقلاً سابقاً في السجون السورية أعدوا فيلماً عن معاناتهم. ويكاد لا ينسى ولا لحظة “طقطقة” عظام ذاك العصفور الذي تفوح منه رائحة نتنة بقضمتين فقط. يا الله. يردّد هذا متابعاً: عيناي كانتا مطمشتين. أعطوني العصفور وقالوا لي هذه قطعة لحمة تناولها بقضمتين فقط لا بثلاث. تلمسته. أحسست بذنبه وريشه. صرخوا بي. قطعت بعض ذنبه ووضعته في فمي وقضمته أربع قضمات. شعرتُ بجروحٍ في زلعومي. شعرتُ أني أختنق. إختنقت فراحوا يضربونني على ظهري بقوة. عشرة، عشرون، خمسون، أكثر. لم أستطع أن أعدّ وأنا أختنق لكني أدركتُ لاحقاً أنهم لو لم يفعلوا هذا لكنتُ متّ.

 

علي أبو دهن مثالٌ عن كثيرين ذاقوا الأمرّين. وهناك كثيرون بعد ما زالوا يعانون. وينن؟ ثمة مكتبة في منزل المعتقل السابق. نقرأ بين عناوين الكتب: “الأسد: الصراع على الشرق الأوسط” لباتريك سيل، و”أين كنت في الحرب” لغسان شربل، “الناجون” لرمزي توفيق سلامة، و”كنت طبيبا لصدام” للدكتور علاء بشير… يبدو أن المعتقل السابق يحاول أن يلتقط من سيَر كُتبت عن صراع وزعامات تفسيراً ما لكل ذاك الحقد الذي عانى منه. علي أبو دهن دوّن هو أيضا مذكراته في كتاب سماه “عائد من جهنم”. عائد من سوريا.

 

يُحدثنا عن المعتقل السوري قائلاً: سجن تدمر صُنّف أحد أسوأ تسعة معتقلات في العالم. ويتذكر: ندخل إليه بين صفّي عسكر، يُمسكون في أيديهم أسلاكاً من حديد وآلات تعذيب، وهم يصيحون بنا: يا أيها (…) أتيتم الى مأواكم الأخير. هنا تدمر. هنا لا وجود لله… هنا حيث الأسد منع الله من الدخول.

 

هناك يشعرُ كل معتقل أن نهايته قد دنت. ثمة مئات الشبان لنا، للبنان، ما زالوا في سجون سوريا ويشعرون على الأرجح بكل ما شعر به علي أبو دهن. ألا يستحق هؤلاء أن نسأل مجدداً عنهم أقله في يوم المفقودين والمعتقلين؟ في إسرائيل أيضاً مفقودون لكن إسرائيل عدوة أما سوريا فتُحسب في خانة الشقيقة! “وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على النفس من وقعِ الحسام المهند”.

 

حاول الرقم 13 التأقلم مع “جهنم”! لكنه كان يرسم على الجدران شمساً وقمراً ويطمح الى يومٍ يراهما واقعياً. “الجرب” ضرب الشباب. وكانوا ينقسمون الى مجموعتين. مجموعة تحاول أن تنام ومجموعة تحكّ جلد من يحاولون النوم. وكان العسكر السوري يلعب لعبة التأثير النفسي السلبي على الشباب. كان العناصر يسألون الشباب: عازبون؟ متزوجون؟ ومن أخطأ في البداية وقال متزوج صاروا يخبرونه أفلاماً عنهم وعن زوجته! هي أفلامٌ وهمية فاق تأثيرها تأثير المكوث في جهنم!

 

المعتقلون في السجون السورية كانوا يضحكون من شدة الحزن. الطعام بيضة مسلوقة واحدة لستة أشخاص. وحبة زيتون واحدة مع رغيف خبز. كانوا “يمرغون” الحبة على كل الرغيف ثم يمضغون البزرة ليشعروا أكثر بالمذاق. حاولوا أن يتأقلموا في العذاب ومعه. هو عاد. علي أبو دهن عاد بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد وصدور عفو عام عن مساجين صيدنايا وبينهم 45 لبنانياً وتسعة فلسطينيين. خرج يومها 45 لبنانياً بعد سلسلة تصريحات أدلى بها كبار المسؤولين في سوريا وفيها أن لا لبنانيين في السجون السورية.

 

لدينا 622 معتقلاً في السجون السورية. نريدهم أحياء أو أمواتاً. نريدهم. خيمة المعتقلين لا تزال موجودة. خاوية لكنها موجودة. غازي عاد ما عاد هناك. فيوليت ناصيف وفاطمة عبدالله وصونيا عيد ما عدنَ قادرات كثيراً، كما قبل، على التظاهر والعصيان وإعلاء الصوت وحتى الدمع جفّ في عيونهنّ. أمهات كثيرات وزوجات وأخوات وآباء رحلوا وهم يطالبون الدولة بالتفاتة الى مصير المعتقلين في السجون السورية. يا لقهرِ كل هؤلاء.

 

تمرّ الأيام والسنون. انتهت الحرب في لبنان منذ ثلاثين عاماً. غادر العسكر السوري بلادنا. طُرد. وقيل يومها أن صفحة طويت وصفحة تفتح. صدّق الأهالي. وغفلوا أن هناك من يلعب معهم، في ملف إنساني بهذا الحجم، “لعبة الحمار” وفيها يا يموت الحمار يا الملك يا لبنان. المعتقلون في سجون سوريا كانوا يعدّون في البداية الساعات ثم الأيام ثم الأسابيع، ثم صاروا يعدون الأشهر وباتوا بعدها يحسبون اعتقالهم في جهنم بالمونديال… ينتظرون موعد المونديال كل اربع سنوات ليُقدروا عدد سنوات الإعتقال.

 

هناك، في جهنم الحمراء، 622 لبنانياً نطالب بهم اليوم، في يوم المفقودين العالمي، وفي كلّ يوم. وسنظل نردد: وينن؟ علي أبو دهن يختم: لو تصرفت الدولة كدولة “كانوا طلعوا رفقاتي”! كلمات اختصرت كل الموضوع.

 

مفقودون، معتقلون، وكثير كثير من الشهداء.