IMLebanon

كل شاحنة “مشودرة” مشبوهة … إلى أن يثبت العكس

 

 

مع أن التوتّرات التي شهدتها منطقة الكحالة عقب انقلاب شاحنة ذخائر تابعة لـ»حزب الله على «كوعها» المتعايش مع تكرّر الحوادث، نشطت ذاكرة الأحداث غير البعيدة التي جعلت لهذه البلدة رمزية سياسية خاصة، إلّا أن خطورة الحادثة بقيت في ما عكسته من تجاوزات مستمرّة من قبل «الحزب»، إلى حد اعتباره محاولات فضح ما كان ينقل في الشاحنة التابعة له، عملاً ميليشياوياً غير مبرّر.

 

وعليه، كان لافتاً البيان الذي أصدره «حزب الله» عقب الحادث، واتّهم فيه من عبّروا عن «فورة دمهم» بعد اكتشاف حمولة الشاحنة، بـ»الميليشيا». اذ مضى في ترجمة ما يراها خصومه «فوقية» من خلال اعترافه أولاً بأنه صاحب الحمولة، وأنّ هذه الحمولة سلكت الطريق من البقاع باتجاه وجهتها، وحتى بعد انقلابها كان يفترض أن تتابع سيرها إلى مقصدها. أمّا العمل المشين برأي بيان «الحزب»، فلم يكن سوى في «تجمّع عدد من المسلّحين من ‏الميليشيات الموجودة في المنطقة» كما وصفهم، «وإعتدائهم على أفراد الشاحنة في محاولة ‏للسيطرة على حمولتها». في مقابل عدم اعتراف البيان بسقوط قتيل من أهالي بلدة الكحالة، وتحدّثه فقط عن مقتل أحد عناصره الذين كانوا يرافقون الحمولة، واصفاً وظيفة الجيش في هذه الحالة بأنّها «تدخّل لمنع السيطرة على الشاحنة وحمولتها». وكأنه بذلك يعرب عن شبه قناعة بأنّ الجيش ليس في معرض مصادرة هذه الحمولة غير الشرعية من السلاح.

 

إنّه القدر إذاً الذي كشف الإنتهاكات اليومية التي يتعرّض لها المواطنون الذين يسلكون بعشرات الآلاف الطريق الدولي الممتدّ من البقاع الى بيروت، لتزيد من هواجس المخاطر التي ترافقهم لمجرد سلوك هذا الطريق. فحوادث السير التي تكون الشاحنات أحد مسبّباتها، قدر يومي يواجهه كل من يعبر هذا الطريق. وهذا ما رفع من جهوزية أهالي البلدات التي تجتازها، وحتى من نخوتهم لتقديم يد المساعدة بشكل دائم، ولا سيّما في الكحالة. ولم يتوقع هؤلاء أن تقابل هذه النخوة باستنفار فضح حمولة الشاحنة.

 

فلدى مرور البعض بمحاذاة الحادث إلتقطوا صوراً للشاحنة التي انقلبت ومضوا بطريقهم. حتى أنّ بعضهم نشر هذه الصور على وسائل التواصل الإجتماعي، بمعرض التحذير من زحمة السير التي سيتسبّب بها الحادث، ولكن أحداً لم يخطر له بأنّ هذه الشاحنة بحمولتها قد تكون سبباً لإشعال شرارة حرب، سلاحها «سارح» على الطرقات.

 

في العادة يسبح «الكوع» عند كل حادث إمّا بالمشروبات الغازية، أو بالخضار، وأحياناً بالترابة وغيرها من الحمولات التي تختصر خطورتها بأوزانها الزائدة.

 

لا بل كان أخطر ما شهده الكوع من تداعيات هذه الحوادث تسرّب مادتي المازوت والبنزين أحياناً من الآليات والسيارات التي تتسبّب بها. إلا أنّ ما لم يخطر لأحد، هو أن يكون السلاح الذي يشكّل بعدم شرعيته إستفزازاً كافياً لجزء كبير من اللبنانيين، رفيقهم أيضاً على الطرقات، ينقل في وقت الذروة، ومن دون أي إجراءات متّخذة للسلامة، وهي إجراءات لا يمكن توقّعها من قبل من يحاول تمرير السلاح من «تحت أنوف المواطنين الآمنين».

 

إذاً، «الفوقية الممارسة» عقب الحادثة، كما وصفها أهالي المنطقة، لم يختصرها الإستنفار الحزبي بوجه محاولي إكتشاف حمولة الشاحنة في الكحالة، وإنما في ما كشفته من استباحة يومية لأمن المواطنين. فـ»حزب الله» الذي اعترف بأنّ الشاحنة كانت متّجهة من البقاع، من دون أن يحدّد وجهتها، تجاهل أنه استباح سلامة الناس الذين يعبرون الطريق مع سلاحه بدءاً من البقاع الى مقصده الأخير.

 

وعليه، إذا افترضنا أن هذه الشاحنة إنتقلت من أقرب معاقل «الحزب» في النبي شيت مثلاً، فهذا يعني أنّها كانت تنتقل كقنبلة موقوتة وسط المواطنين، مروراً بسرعين وتمنين ورياق وأبلح والفرزل أوتوستراد زحلة، سعدنايل، تعلبايا، شتورا المكتظّة بالمارة والشاحنات، جديتا، المريجات، بوارج، مروراً بحاجز ضهر البيدر الى صوفر، بحمدون وعاليه ومن ثم الكحالة حيث أوقعها القدر في مصيدته وسط بيئة غير صديقة، لم تروّض بعد على قبول الأمر الواقع… علماً أنّ خط سير هذه الشاحنات من المرجح أن يمر بعد تمنين بإتجاه دير زنون، فيكون قد عبر أيضاً من برالياس بإتجاه شتورا وأكمل الطريق نفسها نحو وجهته الأخيرة. إلّا أنّ السؤال الذي بقي يتردّد طيلة اليوم التالي على ألسنة من يعبرون هذه الطرقات يومياً، هل كانت هذه المرّة الأولى أو الوحيدة التي ينقل فيها السلاح بهذا الشكل؟

 

يعرف العالم بأسره أهمية هذا الطريق بالنسبة لـ»حزب الله» وإمداداته الداخلية. إسرائيل التي قطعت شريان الوصل هذا في عدوانها على لبنان بحرب تموز 2006، من خلال تهديمها جسره المعلّق في ضهر البيدر، كانت أيضاً على يقين بأهمّيته. ومع ذلك لم يتوقّع أحد أن يكون العبث بسلامة الناس إلى حدّ إستسهال نقل السلاح في وضح النهار مع أرتال السيارات التي تجاوره.

 

ليبقى التساؤل على السنة المواطنين: كيف ستتصرّف السلطة الشرعية حيال هذا الأمر؟ وهل سيمضي «حزب الله» بالطريقة ذاتها في نقل إمداداته بعد هذه الحادثة، وما خلّفته من توترات؟ الأيام المقبلة قد تحمل بعض الإجابات. أمّا بالنسبة للمواطنين الذين لا مفرّ لهم من سلوك هذا الطريق بحثاً عن رزقهم ولقمة عيشهم، فستبقى كل شاحنة «مشودرة» مشبوهة إلى أن يثبت العكس.