IMLebanon

من يستطيع أن يوقف الحرب

 

أكثر من استحالة إيرانية وأميركية وخليجية ترجح بلوغ الحرب في المنطقة نقطة اللاعودة.

 

ايران لا تريد الحرب، استحالة تتناقض مع حقيقة الجمهورية الاسلامية التي أعلنت الحرب على محيطها منذ تأسيسها، وأدّت دورها في رفع حدة المواجهة السنية الشيعية حتى الذروة. الاستحالة الإيرانية هي في عدم إمكان ايران البقاء في موقع اللاحرب واللاتفاوض في ظل الحصار الاقتصادي الذي يرزح تحته الشعب الايراني، والذي قد يصل الى مرحلة النفط مقابل الحاجات الانسانية، وهي أيضاً في الرضوخ للشروط الأميركية الذي يعني سقوط مشروع ولاية الفقيه الذي قامت على أساسه الجمهورية الإسلامية، وسقوط أذرعها الميليشياوية في كل من سوريا ولبنان واليمن والعراق.

 

الرئيس دونالد ترامب لا يريد الحرب، استحالة أميركية. الرئيس لا يريد الحرب إذا تجاوبت ايران وقبلت بالشروط الاميركية التي تنهي أحلامها النووية ومشروعها الصاروخي  وتعيد إيران إلى داخل حدودها، لكنّه يريد هذه الحرب ويسعى اليها في حال تمردت إيران على شروطه. صقور الإدارة الإميركية وفي مقدمتهم جون بولتون يرون أنّه إذا لم تفلح الضغوط الاقتصادية في إحداث تغيير في مسار النظام وربما في تغييره فإنّ العمل العسكري لن يكون مستبعداً.

 

الاعتداء على ناقلات النفط في ميناء الفجيرة وعلى محطتي آرامكو في الرياض اللتين تضخان النفط الى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لا تفسير له سوى أنّ امدادات النفط مهدّدة حتى خارج مضيق هرمز وعلى بعد أكثر من ألف كيلومتر من الخليج العربي. تهديد الحوثيين بأنّ عملية أرامكو هي تدشين لعمليات قادمة ضد 300 هدف عسكري وحيوي ودعوة الملك سلمان إلى قمتين خليجية وعربية في مكة في الثلاثين من الشهر الجاري، بالتزامن مع انعقاد القمة الاسلامية بعد الاعتداءات الارهابية على المملكة وعلى ناقلات النفط، هي إيذان باستحالة تراجع المملكة وإمعان في فرز الحلفاء عن الخصوم على قاعدة من ليس معنا فهو خصمنا.

 

قصف محيط السفارة الاميركية في بغداد الذي لن يكون الاعتداء الأخير على المصالح الاميركية والخليجية اينما وجدت، يأتي في سياق اختبار جدية الولايات المتحدة وحلفائها في حماية مصالحها والرد على أي اعتداء تتعرض له بالطريقة المناسبة، كما سبق للرئيس ترامب وللمسؤولين السعوديين أن كرّروا ذلك لمرات عديدة. الحشود العسكرية والمؤشرات الميدانية ومنها موافقة المملكة السعودية وعدد من الدول الخليجية على نشر قوات أميركية ترجّح اندلاع صدامات على نطاق واسع قد تشعل حروباً متفرقة في أكثر من دولة عربية، حرب متعدّدة الأطراف تضع الشرق الأوسط على عتبة حرب كبرى.

 

الدور الأوروبي، الذي خيّل لطهران أنّه قادر على إحداث خرق في القرار الاميركي وتشكيل أرضية قابلة للتفاوض، بدا عاجزاً وغير مقتنع في الذهاب بعيداً في المغامرة الإيرانية. تراجعت بريطانيا والمانيا عن محاولات الالتفاف على العقوبات فور اعلان طهران تراجعها عن الالتزام ببعض بنود الاتفاق النووي. الصين بدورها التي عوّلت طهران مراراً على موقفها في مجلس الأمن تحتاج إلى استقرار إمدادها بالطاقة دون استفزاز الولايات المتحدة، لذلك فهي بحاجة إلى جمهورية ايرانية منضبطة كإحدى المحطات الهامة على طريق الحرير الجديد.

 

ليست إيران وحدها قادرة على خوض الحروب بالوكالة، فللولايات المتحدة وحلفائها باعٌ طويلة في ذلك، من افغانستان مع حركة طالبان الى العراق مع الصحوة وحتى شمال شرق سوريا مع الميليشيات الكردية وفي إيران نفسها مع مجاهدي خلق. مسارح الصراع تبدو أكثر من متاحة حيث تنتشر الميليشيات الايرانية في العراق واليمن ولبنان وغزة وقد تقدّم المناطق السنية في الأهواز التي سبق وعبّرت عن قابلية للخروج على نظام الملالي وعن سطوة الحرس الثوري إحدى ساحات الاختراق والمنازلة.

 

صحيح أنّ الحرب العالمية الأولى أُعلنت بعد شهر على حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته في 28 يونيو/حزيران عام 1914 على يد طالب صربي يدعى «غافريلو برينسيب» أثناء زيارتهما لسراييفو، لكنّ الأسباب الحقيقية للحرب كانت التوتر الذي شهدته العلاقات الدولية في مطلع القرن العشرين بسبب توالي الأزمات، كأزمة البلقان والصراع الفرنسي الألماني حول الحدود، ونمو النزعة القومية داخل أوروبا وتطلع بعض الأقليات إلى الاستقلال، بالاضافة إلى تزايد التنافس الاقتصادي والتجاري بين الدول الرأسمالية لاقتسام النفوذ عبر العالم والسيطرة على الأسواق والتزود بالمواد الأولية، ودخول هذه الدول في تحالفات سياسية وعسكرية وسباق تسلح.

 

تبدو ظروف الحرب في المنطقة أكثر من ناضجة، والسؤال الواقعي ليس أين ومتى تبدأ الحرب، ما هو شكلها، وما هي الأهداف التي ستحظى بالأولوية، بل السؤال هو من يستطيع أن يوقف هذه الحرب التي يبدو أنّها أصبحت ممراً إلزامياً لصياغة توازن جديد في المنطقة…..

 

مدير المنتدى الإقليمي للإستشارات والدراسات