IMLebanon

لماذا معركة الجنوب السوري؟

يضع الإيرانيون و«حزب الله» ثقلاً إستثنائياً في الجنوب السوري. فالمعركة هناك إستثنائية. إنها محطة أخرى في المسار إلى الخرائط الجديدة داخل سوريا… والجوار.

مع إندلاع معركة درعا- القنيطرة، بين النظام السوري والمعارضة، بات ممكناً أكثر الردُّ على التساؤل: لماذا نفَّذت إسرائيل عملية القنيطرة في 18 كانون الثاني الفائت، والتي إغتالت فيها الجنرال في الحرس الثوري الإيراني محمد علي الله دادي، وكوادر رفيعي المستوى من «حزب الله»، على رأسهم القيادي جهاد مغنية.

وفي تقدير محلّلين، إنّ الرسالة التي أوصلتها إسرائيل إلى إيران، هي الآتية: إذا كان القرار 1701 في الجنوب اللبناني منع وصول إيران إلى الحدود مع إسرائيل (عبر «حزب الله»)، بضمانة «اليونيفيل»، فليس مسموحاً وصولها في الجولان. وفي معزل عن الإتهامات المتبادَلة للقوى المتصارعة في سوريا بالتعاون مع إسرائيل في الجولان، فإنّ حقيقة الموقف الإسرائيلي هناك تبقى غامضة.

والأرجح هو أنّ إسرائيل إستهدفت الموكب الإيراني- السوري- اللبناني عندما تجاوز «الخطوط» التي تسمح بها:

– إما جغرافياً، بمعنى التقدُّم إلى خطوط تعتبرها إسرائيل خطوطاً حمراء في الجولان.

– وإما في نوعية الأسلحة التي يرغب الإيرانيون بنشرها هناك. ومعلوم أنّ إسرائيل، على مدى أربع سنوات مضت، لم توجِّه ضربات إلى «حزب الله» عند خرقه الحدود اللبنانية- السورية لترجيح كفّة المعارك في سوريا.

لكنها أغارت على قوافل من الصواريخ حاول النظام إرسالها إلى حليفه في لبنان، ربما لئلّا تقع في أيدي المعارضة. وهذه الصواريخ تتجاوز المسموح بإقتنائه، لأنها مؤهلة لحمل رؤوس غير تقليدية. وقد فَهِمَ «الحزب» والسوريون ذلك، كما فَهِموا المبرِّرات لضرب معامل نووية صغيرة في سوريا.

إذاً، لا تعني عملية القنيطرة، بالضرورة، لا موقفاً إسرائيلياً معادياً لوجود قوات النظام وحلفائه في محيط الجولان ولا لوجود المعارضة. لكنّ إسرائيل أرادت توقيتاً مناسباً لضربتها. وهي تدرك جيداً ما سيحصل في المنطقة المجاورة لها، بل إنّ أصابعها، على الأرجح، ضالعة في الكثير من الأحداث في سوريا.

بعد شهر على العملية، إنفجر الوضع في بقعة درعا- القنيطرة، وبدأ السباق بين القوى السورية للسيطرة عليها. والمعركة هناك ستساهم في رسم الصورة الأخيرة التي سترسو عليها سوريا.

فالمحطات التي شهدتها سوريا (حمص، حلب، الرقة، دمشق وأريافها…) إنتهت كلها في وضعيات شبه ثابتة، أيْ إنّ القوى المتصارعة رسمت حدود سيطرتها في كلّ منطقة، وليس في الأفق ما يوحي بقدرة أيٍّ منها على دحر خصمه في أيٍّ من هذه المناطق. لا النظام يأمل في إنهاء المعارضة ولا المعارضة قادرة على العكس.

فمِن جبل الشيخ ومثلث الحدود اللبنانية- السورية- الإسرائيلية، إلى درعا والحدود السورية- الأردنية، مروراً بالحدود السورية- الإسرائيلية في الجولان، جاء وقت الحسم.

والقوى التي ستتمكن من السيطرة على الجنوب ستحظى بميزات إستراتيجية هائلة:

1- إنّ الجولان على مرمى حجر من دمشق، وجبل الشيخ يشرف عليها إستراتيجياً. ولا تبعد القنيطرة عن العاصمة أكثر من 45 كيلومتراً، وأما درعا فلا تبعد أكثر من 90 كيلومتراً، على أوتوستراد دمشق- عمان. وسيطرة النظام على هذه المنطقة تشدّد القبضة على دمشق، فيما العكس يتيح للمعارضة بناءَ أرضية تمكِّنها من الإنطلاق نحو العاصمة مروراً بمخيم اليرموك.

2- إنّ السيطرة على البقعة المحاذية لإسرائيل تتيح للطرف المسيطر أن يتحوّل لاعباً ذا دور إقليمي. وهذا طموح كبير لـ«داعش».

3- إنّ سيطرة المحور الإيراني هناك يتيح له إبقاء الخطوط المفتوحة على لبنان من هذه الزاوية، والعكس صحيح.

4- إنّ «الجيش السوري الحرّ» يطمح إلى إثبات حضوره في الجنوب السوري في مواجهة «داعش» والنظام في آن معاً. وهذه المنطقة الوحيدة التي يشعر فيها بقدرته على تحقيق ذلك. وأمّا «داعش» فتأمل في السيطرة على منطقة ثانية، على غرار الرقّة.

5- إنّ سيطرة أيّ قوة في الجولان ستتيح تغييراً معيناً في الوضعية الدرزية في سوريا. وقد أدّى تبدل طبيعة الصراع في شمال سوريا إلى تغيير في الوضعية الكردية.

وإذا كانت معركة الساحل، بالنسبة إلى النظام، هي معركة الحياة أو الموت، ومعركة حمص هي معركة التواصل بين الساحل ودمشق، ومعركة حلب هي معركة العمق الإستراتيجي، فإنّ معركة الجنوب هي في آن معاً معركة دمشق إياها ومعركة التماس مع القرارات الدولية وإسرائيل.

وهكذا، فلا بدَّ لكلٍّ من القوى المتصارعة في سوريا أن تندلع المعركة في الجنوب السوري. وربما يعتقد المحور الإيراني- السوري أنه سينتصر هناك، أو تتوقَّع القوى المعارضة أن تربح. لكنّ إسرائيل ربما تكون وحدها مدركة للمسار على حدودها السورية.

وهي لن تكشف سرَّها إلّا للذين يشاركونها المخططات أو المصالح. وهؤلاء قد يكونون في هذا الصف السوري أو ذاك، وقد يكونون في الصفوف المتقاتلة في آن معاً.