IMLebanon

لماذا لا تُفرج إيران عن الإنتخابات في لبنان؟

يبدو مدهشاً أنّ إيران لا تريد الإفراج عن الانتخابات الرئاسية اللبنانية، على رغم أنّ المنافسة باتَت محصورة بين المارونيَين المحسوبَين على فريقها في لبنان، وعلى رغم أنّهما حصَلا على دعم غير متوقّع من خصومهما في 14 آذار. إنّه اللغز الذي يَستدعي طرحَ السؤال: ماذا يريد الإيرانيون إذاً؟

بدأت إيران توَسّع هامشَ مبادراتها في الشرق الأوسط، بعدما دفعَت المحور الخصم، ولا سيّما المنظومة الخليجية، إلى تموضُعٍ دفاعي. ويريد الإيرانيون اقتناصَ الفرصة لبَسط مزيد من النفوذ ودعمِ الحلفاء.

مارسَت إيران ضغوطاً على المنظومة الخليجية، عبر الحدود اليمنية وفي داخل كلّ كيان خليجي، بحيث أصبَح اهتمام الخليجيين العرب منصَبّاً على تأمين الاستقرار الداخلي في الدرجة الأولى، قبل الانتقال إلى الاهتمام بالأزمات الأخرى، كسوريا والعراق ولبنان. وفي عبارة أخرى، يقول ديبلوماسي عربي، بات للسعوديين مبرِّر ليرفَعوا شعار «السعودية أوّلاً»، في ضوء الهجمة التي يتعرّضون لها!

لقد ردّ السعوديون بعنف في اليمن، وحسَموا الأمر في ملف الشيخ النمر. لكنّ إيران بدت في المقابل أكثرَ هجومية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، ولا سيّما في سوريا حيث مالت التوازنات لمصلحة حلفائها بدعمٍ من روسيا، وقبولٍ مِن الولايات المتحدة ورضوخ من تركيا وسكوت من إسرائيل.

وفي لبنان، انحسَر حلفاء السعودية في 14 آذار سياسياً، وسَقط مرشّحوهم للرئاسة من اللائحة. وفي مشهد مثير، بات أركان 14 يتهافتون لتسويق المرشّحين المحسوبين من حلفاء طهران، ويَعملون على إقناع 8 آذار بأحدِهما!

هذه التحوُّلات في لبنان تبدو متداخلةً تماماً مع التحوّلات الإقليمية. ففي ظلّ التجاذب حول الملف الرئاسي، تنطلق في جنيف المفاوضات حول التسوية في سوريا. والواضح أنّ ملف رئاسة الجمهورية سيوضَع على النار، ولكنّه سيتقلّب مع المفاوضات السورية التي تَوقَّع الموفد الدولي ستيفان دي ميستورا أن تستغرقَ 6 أشهر.

وحتى ذلك الحين، سيَستفيد الإيرانيون من عامل الوقت لتحسين الشروط. فلو استعجَلوا انتخابَ رئيس للجمهورية مع بداية مرحلة الفراغ الرئاسي، كان المرجَّح وصول رئيس من خارج فريقِهم.

وأمّا اليوم، فقد استطاعوا حذفَ مرشّحي 14 آذار من الواجهة، ثمّ التوافقيين المفترضين، وبات الجميع يَعترف بأنّ الرئاسة محصورة بحلفائهم فقط. وبعد ذلك، بدأوا يساومون على المكاسب الأخرى: الحكومة العتيدة وقانون الانتخاب والانتخابات النيابية والمواقع المهمّة في المؤسسات والإدارات والأجهزة.

وفي تقدير طهران أنّ أسهمَها اللبنانية ستمضي في الارتفاع، يوماً بعد يوم، وستتراجَع أسهُم الخصوم الذين يدركون ذلك. ولهذا السبب هم يستعجلون القبولَ بالتسوية لأنّ خسائرهم اليوم أدنى من خسائرهم المرتقبة في أيّ تسوية مستقبلية. فالوقت ليس في مصلحتهم ولا مصلحة حلفائهم الإقليميين.

يقول المتابعون للموقف الإيراني: الخليجيون يُظهِرون تشدُّداً في الخليج، لكنّهم تنازَلوا في العراق وسوريا ولبنان.

ولأنّ الإيرانيين نجحوا في تسجيل النقاط في لبنان، سيطالبون بالمزيد، ويربطون الرئاسة بسلّة مكاسب داخلية أخرى. كما سيَربطونها خصوصاً بمفاوضات جنيف حول سوريا. وبناءً على هذه المعطيات، يتحرّك الرئيس حسن روحاني في الفاتيكان وباريس.

في الفترة الماضية، كان الفرنسيون وحدهم مهتمّين بمساعدة لبنان على إنهاء الملف الرئاسي، فيما كانت واشنطن موافقةً على إدارة الأزمة في لبنان، بالحدّ الأدنى، من خلال الحكومة التي جرى تركيبُها في شكل مقبول مذهبياً وطائفياً وسياسياً، لتتمكّن من أداء وظيفتها من دون اعتراض أحد.

وكان الأميركيون يفَضِّلون أن ينتظروا انتهاءَ حوارهم مع إيران حول الملف النووي، وما سيُسفر عنه، ليعقدوا الصفقة حول الشرق الأوسط بكامله. عندئذٍ، يكون لبنان ورئاستُه جزءاً منها.

ولم يكن الإيرانيون مستعدّين لمفاوضة الموفدين الفرنسيين حول تسهيل الانتخابات الرئاسية. فقد انتظروا إبرامَ الطبخة الدسمة مع واشنطن. وأمّا باريس فلا بأس بعَقدِ الصفقات الصغيرة معها، بعد ذلك، كجزء من عملية التطبيع مع أوروبا.

اليوم، اطمَأنَّ الإيرانيون إلى أنّ الاتفاق على رفعِ العقوبات سَلك طريقه إلى التنفيذ، وهذا ما سيَمنحهم تغطيةً دولية مهمّة، وقدرات مالية تَسمح لهم بالانطلاق لتحقيق أهدافهم في توسيع هامش المبادرة في المنطقة. وبمعنويات عالية، هم يَذهبون اليوم إلى مفاوضة أوروبا.

وعندما يَطلب الفاتيكان وفرنسا من روحاني تسهيلَ انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان، سيُبدي الليونة والتجاوب، ولكنْ ضمن سلّة متكاملة لا تشمل لبنان فحسب، بل أيضاً سوريا والعراق واليمن.

وهذا الموقف يجيب عن السؤال: لماذا لا يستفيد «حزب الله» من الفرصة النادرة المتاحة له، أي تنازُل الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع وقبولهما بانتخابِ واحدٍ من المارونيَين المنضويَين تحت مظلّته السياسية، العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية؟

«الحزب» ليس مستعجلاً، وفي انتظاره مزيدٌ من المكاسب التي سيضطرّ الخصوم إلى دفعِها في المرحلة المقبلة، بعد اشتداد الضغط الإيراني وتراجُع الخصوم.

وربّما لا تأتي ساعة التسوية السياسية الكبرى في لبنان إلّا بالتزامن مع ساعة التسوية الكبرى في سوريا. ولكنّ المجالَ مفتوح في لبنان لمحطات مرحلية في طريق التسوية الكبرى. وانتخاب رئيس للجمهورية قد يكون إحدى المحطات المرحلية العابرة، لا أكثر، وقد تمرِّر إيران هذه المحطة إذا وجدت فيها مادةَ مساومةٍ مناسبة مع القوى الدولية التي كلّفَت نفسَها تأمينَ مظلّة واقية للاستقرار اللبناني.

ولكنْ، سواءٌ تمَّ تمرير هذه المحطة الصغيرة المرحلية أم لا، فإنّ مصير لبنان سيبقى رهنَ الاستحقاقات الإقليمية الكبرى. وربّما هناك تحوّلات ستَظهر في مناطق شرق أوسطية عدة، وتفاجئ الجميع.

وفي أيّ حال، ليس مضموناً أن يأتي الترياق من مفاوضات جنيف الطويلة جداً، والتي لا يُمكن اعتبارها سوى مسار نحو تطبيع الأمر الواقع في سوريا، واقعِ الشرذمة ورسمِ الحدود الجديدة على أنقاض سايكس-بيكو.

وفي الأسابيع الأخيرة، تسارعَت التقارير عن تفاهمات ضمنية أميركية-روسية، بغطاءات إقليمية، لتقاسُم مناطق النفوذ المختلفة في سوريا. وهذه الشرذمة في سوريا ستضَع مصير لبنان أيضاً على المحكّ، وستقرِّر أيّ انتخابات رئاسية ونيابية وأيّ حكومة، وأيّ نظام سياسي سيحتاج إليه!

وعندئذٍ، لن يكون السؤال: أيّ رئيس للجمهورية سيكون، بل أيّ جمهورية؟ بل سيُصبح السؤال: هل ستكون هناك جمهورية ليكونَ لها رئيس؟