IMLebanon

… ولماذا لا يُستدعى نصرالله؟

 

 

عندما قال الأمين العام لـ “حزب الله” إنه “ذراع خامنئي” في لبنان، وإن مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية “قائده” و”سيّده”، وإن إيران “قلب المحور (الإقليمي) ومركزه”، وإن حزبه لن يقف على الحياد في أي حرب ضدّها… فإن حسن نصرالله أبلغ القاصي والداني أن لبنان بات “جمهوريته” وبالتالي جمهورية قائده وسيّده، أي “جمهورية خامنئي”… وما كان يقال في الداخل والخارج في سياق التحليل السياسي، أراد نصرالله تأكيده على نحو ناجز و”رسمي”، باعتباره الحاكم الفعلي في هذه الجمهورية.

 

مانشيت “جمهورية خامنئي” دخلت تاريخ الصحافة اللبنانية كواحدة من العناوين النفّاذة التي تختصر الحال وتستقرّ في العقول وتأتي بالمتاعب لصحيفة “نداء الوطن” إسوة بما تعرّضت له صحف أخرى على مرّ العقود، لكنها قبل صدورها وبعده تعرف أنها في قلب مهنة المتاعب، وأن الانحرافات المتمادية في السياسة لم تبقِ أي أعراف وطنية يمكن الاستناد إليها. فهذا هو المآل الذي قاد إليه السلاح غير الشرعي، في تهميشه للدولة والمؤسسات والقوانين وفي زرع مفاهيمه الميليشياوية في الحكم.

 

لعل أكثر ما أثبته الذين أمروا باستدعاء رئيس تحرير “نداء الوطن” ومديرها المسؤول أنهم فعلاً في “جمهورية خامنئي”. وما أرادوا الدفاع عنه، من هيبة دولة واحترام لرموزها وتوكيد لمكانتها، انقلب في أيديهم وارتدّ عليهم. كان الأولى بهم أن يثبتوا العكس، وأن يأخذوا عنوان الصحيفة كجرس إنذار يوقظهم من سباتهم ويكسر صمتهم، ذاك أن “العهد القوي” ماضٍ “رسمياً”، وباندفاع، بوعي أو بلا وعي، الى ترسيخ حالٍ دائمة من “الحرس الثوري” الإيراني، وإلى الانجرار وراء نصرالله في “معركة كبرى” يخوضها لمصلحة قائده خامنئي.

 

ليس أسهل من ملاحقة صحافي واستدعائه الى النيابة العامة بواسطة المباحث، فهو مواطن يخضع للدولة ويحترم القوانين ولا شيء يميّزه سوى أنه غير مضطر لإخضاع الاقتناعات العامة لمصالح هذا الطرف وذاك، تحديداً حين تصبح الدولة والدستور والقوانين أدوات لـ”شرعنة” وضع شاذ معادٍ للوطن ولمحيطه العربي ولعلاقاته الدولية. قد يجدّد هذا الاستدعاء ضغوطاً على حرية التعبير ومخاوف على القيم الديموقراطية، لكن هذه ليست المعركة الأولى للصحافة اللبنانية في الدفاع عن حريتها المنبثقة أساساً من حقيقة الشعب وطبيعة النظام وطريقة الحياة، وهذه لا شيء ولا أحد ولا “نظام وصاية” يستطيع أن يغيّرها. ربما يستطيع أن يحمي صحافة الفجور والفتن التي أنشأها، لكنه لا يستطيع أن يفرض أحقاده كبديل من حقيقة الشعب.

 

تنطوي واقعة الاستدعاء على مفارقة إذ تلاحق رد الفعل (“جمهورية خامنئي”) وتسكت عن الفعل (الخطاب الحربي لـ “حزب الله”). الفعل يورّط لبنان ويعرّض أمنه واقتصاده، يبهدل الحكم والحكومة، لكنه لا يُلام ولا يُحاسب. أما ردّ الفعل الذي هو لسان حال اللبنانيين فيُجَرجَر الى المحاكم وربما تتقاضى الدولة ضدّه… لأنها عاجزة عن مقاضاة نصرالله الذي صادر قرار الحرب والسلم والاستراتيجية الدفاعية، وأعجز من مجرّد الردّ عليه للدفاع عن هيبتها ورموزها