IMLebanon

تشريع زراعة الحشيشة: مشكلةُ إنماءٍ مناطقي

Joumhouriya-Leb
بروفسور جاسم عجاقة

يدّعي مناصرو تشريع زراعة الحشيشة أنّ هذا المشروع سيدّر أموالاً على لبنان، ويعمدون إلى إعطاء الولايات المتحدة الأميركية كمثال على ذلك، تبريراً لشرعية هذا الإجراء. لكنّ البحث في دوافع هذا المشروع والنتائج التي قد تترتب عنه، يُظهر أنّه ليس سوى دليل على فشل الإنماء المناطقي.
تعود معرفة الإنسان بالحشيشة (القُنّب) إلى العصور الوسطى، وأصل الكلمة هو فارسي ويعني «قاتل». وسبب إعطاء هذا الإسم لهذه النبتة، يعود إلى وجود عصابات في ذلك الوقت كانت تقتل تحت تأثير الحشيشة.

والحشيشة أخذت دوراً كبيراً في المجتمع الأوروبي مع حملة نابوليون بونابارت، ففي البداية كان إستخدامها لتخفيف آلام الجنود المصابين. ولكن سرعان ما إنتشرت في باريس في المجتمعات الراقية، حيث كان المجتمعون يتواجدون في نزل خاص ويلبسون كفّية عربية ويقومون بتدخين الحشيشية. ومع الوقت عمدت دول عدة إلى تشريع إستهلاك الحشيشة (هولندا) وزراعتها (الأوروغواي).

تُصنّف الحشيشة في أربع فئات: المغربية، الأفغانية، اللبنانية (أصلها هندي) والأفريقية. وتتميز هذه الأصناف عن بعضها البعض بصفات عدة من بينها اللون، الطعم، المفعول… ولكنّ الأخطر هو إحتواءها على مادة Tetrahydrocannabinol السامة والتي بحسب دراسة تمّت في العام 2000، من العوامل المُسبّبة لمرض السرطان.

الحشيشة في لبنان…

دخلت الحشيشة إلى لبنان في أربعينات القرن الماضي، وساعدها في ذلك أجواء الحرب السائدة كما وطبيعة الأرض البقاعية الخصبة ووفرة المياه. فشتلة الحشيشة تُزرع ما بين شهر شباط وآذار من كل عام وتُروى حتى شهر أيلول ليتم بعد ذلك حصدها مثل القمح بواسطة منجل.

وإستمرّ زرع الحشيشة لكن بشكل بدائي حتى بدء الحرب الأهلية التي شجعت هذه الزراعة وحوّلتها إلى صناعة زراعية تُستخرج منها منتوجات مختلفة كثيرة بواسطة ماكينات حديثة. وكانت الميليشيات تؤمّن الغطاء للمزارعين وتتكفل بالنقل والأسواق لهذه البضائع.

وكانت الأرباح تتوزع بين الميليشيات (حصة الأسد) والمزارعين. وفي أيام الوصاية السورية، قامت الأجهزة بالإستفادة من هذا القطاع والدليل على ذلك إستمرار نموّها حيث بلغت نسبة الأراضي المزروعة نصف الأراضي الصالحة للزراعة (55,000 هكتار في العام 1980).

لكنّ الإتفاقات بين الدولة اللبنانية والحكومات الغربية خصوصاً الأوروبية (أول سوق لصادرات لبنان من الحشيشة) أدّت إلى لجم زراعة الحشيشة مع 1,100 هكتار فقط في العام 2010 (مقارنة بـ 55,000 هكتار في العام 1980). لكنّ بدء الحرب في سوريا وعدول الدولة اللبنانية عن تلف المحاصيل، دفع بالمزارعين إلى زيادة الأراضي المزروعة بالحشيشة وقد بلغت المساحة المزروعة في العام 2013 ما يوازي الـ 3,500 هكتار.

الدوافع وراء تشريع زراعة الحشيشة…

يستخدم المدافعون عن تشريع زراعة الحشيشة في لبنان حجةً أساسية: دعم خزينة الدولة حيث يتناول بعض ما يُسمّى بـ «الخبراء الإقتصاديين» أرقاماً 2,4 مليار دولار أميركي كمدخول لخزينة الدولة إضافة إلى عدد من العوامل «الأخلاقية» كدعم صناعة العقاقير الطبية، ومساعدة المزارعين على تجنّب الفقر وغيره.

في المغرب، يقوم المزارعون بزراعة 134,000 هكتار من الحشيشة ما يدّر مدخولاً يُوازي 13,8 مليار دولار. ويحتلّ المغرب المراتب الأولى في العالم من ناحية حوادث السير ومن ناحية زراعة الحشيشة. وفي كولومبيا البريطانية (كندا) التي تبلغ مساحتها مليون م2، قدّر الباحثون قيمة قطاع الحشيشة بـ 450 مليون دولار في السنة.

عارٌ على لبنان…

من غير إعطاء دروس في الأخلاق، إنّ زراعة الحشيشة وبيعها هو مخالف للأخلاق والقانون. وزرع الحشيشة هو من النشاطات المُصنّفة غير أخلاقية من قبل الأمم المُتحدة. ولا يُمكن الإدعاء أنّ تشريع زراعة الحشيشة هو بهدف صناعة العقاقير أو بهدف زيادة مدخول الخزينة.

فحاجة صناعة العقاقير للحشيشة مؤمّنة ولا حاجة إلى محصول لبنان من الحشيشة، ولا سيما أنّ شركات تصنيع الأدوية لها مصادرها المؤمّنة والتي تخضع لرقابة صارمة لا تسمح بالإستفادة من الحشيشة إلّا لصناعة العقاقير.

فهل يتفضل المدافعون عن زراعة الحشيشة ويشرحون لنا كيف يُمكن لدولة كالدولة اللبنانية التي لا تستطيع حتى جلب فواتير الكهرباء والماء، أن تؤمّن ضوابط لزراعة الحشيشة؟

وبالحديث عن مدخول الخزينة، وإذا ما إعتمدنا الأرقام التي يُعطيها المُدافعون عن تشريع زراعة الحشيشة، فإن محاربة الفساد في المجتمع اللبناني كفيل لوحده أن يؤمن أضعاف مدخول زراعة الحشيشة. إذا شرعّنا اليوم زراعة الحشيشة، هل سيتم تشريع الإستهلاك غداً بحجة دعم الخزينة؟

المشكلة في الإنماء المناطقي…

إنّ المزارعين الذي يزرعون الحشيشة هم مواطنون من الطبقة الفقيرة. وما يدفعهم إلى زراعة الحشيشة هو قبل كلّ شيء حاجتهم لتأمين حياة كريمة. هذه الأخيرة هي واجب على الدولة التي لم تقم بواجباتها تجاه المناطق الحدودية – البقاع، عكار والجنوب – طيلة عشرات السنين. وهذا الغياب خلق خللاً في التوازن الإجتماعي بين المناطق اللبنانية.

هؤلاء المزارعون لهم حق على الدولة بتأمين عمل كريم لهم، وهناك الكثير من الأعمال التي تدّر أموالاً طائلة على المزارعين وعلى الدولة اللبنانية ومن بينها:

– زراعة القمح: هل من المعقول للبنان أن يستورد القمح؟ هذا بحدّ ذاته غير مقبول والدعم الذي تقوم به الدولة لإستيراد القمح يُمكن أن يكون لصالح المزارعين في البقاع وعكار والجنوب.

– زراعة الذرة: هذه النبتة التي لها إستخدامات كثيرة كالزيت والخبز، تُستخدم أيضاً بإنتاج الطاقة. ففي بلد يدفع فيه أهله 5 مليار دولار ثمناً للمشتقات النفطية، أليس من الأفضل له أن يعمد إلى إنتاج الطاقة من زراعة الذرة؟

– تربية الحيوانات: عندما نعرف أنّ العالم بدأ يعيش أزمةَ لحوم بقر وأنه وبحلول العام 2050 ستأخذ هذه الأزمة أبعاداً كارثية، نسأل لماذا لا يكون لبنان مركزاً لتربية الأبقار وتصديرها إلى العالم خصوصاً أن الأسعار سترتفع؟

– أيضاً، لماذا على أصحاب العقول الهجرة إلى المدينة لممارسة مهنة؟ ألا يُمكن خلق مراكز على مثال بيروت وطرابلس وصيدا في المناطق الحدودية؟

كل هذا بالطبع لا يُمكن أن يكون إلّا ضمن إطار إستراتيجية إنماء مناطقي متوازن يسمح بتفادي مشاكل إجتماعية والتي تدفع بمواطن شريف إلى أن يُصبح خارجاً عن القانون.

كفى مزايدة…

بالنظر إلى غياب الضوابط لمراقبة زراعة الحشيشة، نرى أنّ قسماً من المحصول سينتشر بين شبابنا وسيؤدي إلى كوارث على مثال ولاية كولورادو التي شرعّت الإستهلاك منذ 5 أشهر، والنتيجة زيادة حالات التسمّم والإنتحار وحوادث السير وغيرها. هل هذا هو الإرث الذي سنتركه لأولادنا بحجة دعم الخزينة وحجة صناعة العقاقير؟

كفى مزايدةً، فتشريع زراعة الحشيشة سيؤدّي إلى قتل الفكر في المجتمع اللبناني وخصوصاً بين شبابه. وليتفضل المدافعون عن تشريع زراعة الحشيشة، بالتفكير بكيفية خلق قطاعات جديدة تسمح بإستيعاب الشباب اللبنانيين وتأمين بقائهم في ضيعهم من دون الحاجة إلى الهجرة للمدينة أو الخارج أو إلى زراعة الحشيشة.