في عيد الميلاد شوارع حالكة السواد… من يتآمر على زغرتا؟

تقرير رولان خاطر

ها هي نجمة السماء تطل كل مساء تنذر باقتراب الطفل. وها هم “المجوس” يجوبون الأرض يحملون التكريم للآتي باسم الربّ. ها هي القصة كاملة تعود كلّ عام ليحفظها كل جيل، وليطلع عليها الجيل الذي سبق علّه “نسي” بعض تفاصيلها.

مع اقتراب الميلاد المجيد، ترتفع الزينة في كل لبنان. كل بلدة تخلع عنها ثوب العتمة. كل شارع انطفأ يزدان بأبهى ألوان العيد وأضوائه، ايذاناً بولادة المخلص وإضفاء جو من الفرح والبهجة والسعادة والتغيير في قلوب المواطنين من مختلف الأعمار.

القرى والمدن كلّها تتزين، لا بل تتنافس في الزينة منافسة “ميلادية”. لكنّ زغرتا وحدها لم تخلع شوارعها وأحياؤها ثوب العتمة والخوف. وحدها بين جاراتها لم تدخل المنافسة. لأن هناك من أراد بـ”بيان” أن يخطف ضحكة العيد من اولاد العيد، وان يحجب عن أهلها حق التمتع ببهجة العيد.

مواطنون، تجار، أصحاب مصالح، شيوخ، نساء، أطفال، شباب زغرتا جميعهم، من كل الأطياف السياسية، انتفضوا لهذا التصرف. فهو يضرب أولا مظاهر اللحمة العائلية وتقاليد العيد التي درجت كل سنة، وبشكل أو بآخر، يضرب ايضا الحركة الاقتصادية، ويضعف السوق الزغرتاوي، في وقت، يحتاج هذا السوق لعوامل جذب عدة في ظل الركود الاقتصادي الذي يعانيه مقارنة بالازدهار الاقتصادي والسياحي والاجتماعي الذي تتميز به جارات زغرتا وتحديدا بنشعي وإهدن.

واذا كانت الحجج التي انطلق منها “البيان البلدي” لعدم تزيين البلدة تشجيع التجار على التزيين، فهذا يجب أن يشكل استكمالا لزينة البلدية، وليس دافعاً لعدم قيامها بمسؤولياتها، خصوصاً أن جمعية تجار زغرتا لطالما كانت متعاونة في كل المناسبات لتشجيع الحركة الاقتصادية والسياحية وخصوصاً بشأن زينة عيد الميلاد والمشاريع الأخرى، إلا أن البلدية الحالية لم تتعاط معها على غرار البلديات السابقة في أي موضوع يتعلق بعيدي الميلاد ورأس السنة، بحسب بيان “جمعية التجار”، لا بل أن البلدية تصرفت منفردة وأعلنت ما أعلنته في بيانها الذي لقي نقمة في الأوساط الشعبية الزغرتاوية، وحتى ضمن المجلس البلدي، حيث اعلنت المعارضة البلدية رفضها القرار.

أما اذا كان السبب الحد من المصاريف، فبطبيعة الحال يقول أبناء زغرتا إن هذا الأمر لا يكون بفرض العتمة ومعاقبة البلدة من الانخراط بأفراح العيد، بل بأداء البلدية، من خلال اعتماد الشفافية كنهج دائم في العمل، ووقف مزاريب الهدر والفساد والزبائنية.

فعلى سبيل المثال، الزينة التي تم شراؤها العام الماضي، أين هي؟ ألا تزال موجودة؟ ألا تكفي لتزيين زغرتا من دون تحميل البلدية أي أعباء مالية إضافية؟

وفي المعلومات أن الزينة التي اقتصرت هذه السنة على بعض المستديرات، تم تلزيمها وتركيبها بمبلغ يصل الى نحو 70 مليون ليرة، أي نصف ما دفع العام الماضي، لأن زينة العام 2016 وصلت كلفتها وكلفة تلزيم تعليقها إلى 140 مليون ليرة، إلا أن المفارقة – على الرغم من كل الملاحظات التي أبديت بشأن دقتها – أضاءت كل شوارع وبلدة زغرتا، في حين ان هذه السنة كلفت الزينة نصف المبلغ، لكن لم يتم استخدام إلا أقل من ربع الزينة التي وضعت العام الفائت، وتم توزيع الاضاءة بطريقة استنسابية، ما يطرح علامات استفهام عدة وفعلية عن صحة مبدأ الحد من المصاريف الذي يتحجج به “البيان البلدي”.

 

أبناء زغرتا يعترضون

هذا التصرّف فجّر ردّة فعل غير مسبوقة لدى الأهالي، وهذه المرة من كل الأطياف السياسية، ولو اختلفت بمكان التبريرات وردات الفعل، إلا أن “لحن” الاعتراض كان طاغياً. فوسائل التواصل الاجتماعي للزغرتاويين دانت وشجبت وعبّرت بصدق عن غيرتها على البلدة. تحدثوا عن الزينة لكن لم تنته المسألة بتناول سنوات طويلة مضت، طابعها كان الاهمال والاستهتار في تنفيذ مشاريع واستنهاض بلدة زغرتا.

لا يعارض الزغرتاويون على أن تضيء بنشعي في كل مناسبة أو عيد. فحقها كما غيرها من البلدات ان تعمل وتسهر وتفعّل لتستقطب، ففيها على سبيل المثال تتجمّع معظم المقاهي والمطاعم. وفيها تكثر السهرات الفنية والاحتفالات والنشاطات السياحية وحتى الميلادية، فيما تتيتّم زغرتا من هذه “النعم”. ناهيك عن أنه في لفتة صغيرة إلى الماضي القريب، لا يختلف المشهد كثيراً، فالبلديات التي تعاقبت على هذه البلدة لم تحقق ما هو مطلوب على مستوى اسم زغرتا او حتى وفاء أهلها لساستهم.

منهج البلديات، ومع الاخذ ببعض “الاستثناءات”، ضرب مفهوم الانماء الفعلي على مدى كل السنوات المنصرمة، وسخّر الناس لتنفيذ مصالح شخصية، انتخابية، بمعنى آخر فرضت “الزبائنية” عنوانا في الممارسة والتعاطي بين السلطة والقاعدة.

 

معاناة زغرتا وحدّت الزغرتاويين

منذ سنوات طويلة، تعاني زغرتا من فقدان المشاريع الانمائية، البلديات لم تنفذ مشروعا إنمائياً عاد بالخير لأبناء المنطقة، سوى انه عاد بالخير لمصالح سياسية وانتخابية ضيقة. فلا شبكات مياه وجدت، لا شبكة صرف صحي حُفرت، لا طرقات ولا أرصفة عُبّدت، لا كهرباء تأمنّت، لا أحياء أثرية وغير أثرية رُممت، لا حيطان كُحّلت، ولا إصلاحات لأنهر وضفاف نُفذت، ولا سياسات لاستقطاب الزائرين والسيّاح من كل بقاع لبنان رسمت. ولا سياسات “تصنيف” وضعت… وحتى تنظيم عيد الموسيقى في ساحة كنيسة سيدة زغرتا تطلب معركة كبيرة داخل المجلس البلدي لإحيائه.

هكذا، تحوّلت زغرتا القديمة، زغرتا السيدة، التي تستقبلك عذراءها فاتحة ذراعيها، مزينة بعطر الورد ورتبة الوردية، إلى مدينة منكوبة، لا بل أصبح كل حيّ وشارع في زغرتا كلّها منكوباً، مظلوماً، خائفاً، كئيباً.

من هنا، شكلت حادثة الزينة عاملاً وحّد الزغرتاويين على مبدأ المطالبة بعدم إهمال البلدة. فهم يفرحون لبنشعي ولمصيفهم إهدن ولكل بلدة من البلدات المجاورة لكل ايجابية تطالهم، لكن هذا لا يفرض بالضرورة تثبيت معادلة تطوير إهدن وبنشعي وإهمال زغرتا. إهدن، على أهميتها، وعلى محبة وتعلق أهل زغرتا بها، يسكنها الزغرتاويون فصلا واحدا طيلة السنة، اي من 2 إلى 3 أشهر فقط، بينما يتواجدون في زغرتا طيلة فترة السنة المتبقية، علماً أنّ هناك شريحة واسعة بين الزغرتاويين باتت منسية، لا قدرة لها على تمضية عطلة الصيف والاستمتاع بمهرجانات وليالي إهدن.

لذلك، لا يجوز الاهمال. لا يجوز التفريق. لا يجوز التمييز. لا يجوز تكريس معادلات مهما كانت الخلفيات تضرّ بقلب زغرتا وأهلها.

لماذا إعطاء رخصة امتياز لمنطقة وشوارع وبلدات معينة على حساب اخرى. لماذا يجب ان يكرّس تطور بنشعي وإهدن سقوط زغرتا في الاهمال الدائم؟ البلدة التي تأسّس عليها الجميع.

 

زغرتا والأسطورة

هناك أسطورة تقول: “في ليلة الميلاد صادف أن التقى حطّاب فقير بصبي مفقود وجائع. وبالرغم من فقره، أعطى الحطّاب الطعام والمسكن للصبي الفقير في تلك الليلة. وفي الصباح استيقظ الحطّاب ليجد شجرة جميلة تتلألأ خارج بيته بينما اختفى الصبي”. وقيل: “إن الصبي الجائع كان المسيح المتنكر وخلق الشجرة كمكافئة لإحسان الحطّاب الطيب”.

ومن معاني هذه الأسطورة، السؤال يطرح نفسه، هل سيعود رئيس البلدية عن قراره خصوصا بعد ردة فعل المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي وردة فعل التجار والمعارضة البلدية؟ هل سنرى وجه يسوع الجائع والمسكين في عيون الأطفال والفقراء والمشردين؟ ألا تستحق زغرتا واهلها “فضيلة” العودة عن الخطأ؟ ألا يحق لأولاد هذه البلدة أن يفرحوا ويهللوا ويبتهجوا؟ ألا يحق أن يضيء العيد ليالي الخوف وعتمة أهاليها؟

زغرتا هي بلدة تضرب روايات أبطالها في جذور التاريخ، تحمل إرثاً مارونياً مستمداً من تاريخها العريق في الصمود والتصدي. من طبيعة أرض إهدن ومناخ إهدن استمدت تركيبة مجتمعها مزايا صلبة. ومن هذه الصلابة انتجت قادة رووا بدمائهم كرامة الوطن. فهل هكذا تكافأ؟ من يحاول ضربها ولماذا. من يتآمر على زغرتا؟