البلدات الحدودية تصرخ… “لا تنسونا”! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

 

تشرد العيون كل فترة نحو الحدود، بعد الانجازات التي تحققت، إن عبر العملية النوعية التي قامت بها وحدات الجيش اللبناني والتي سميت بفجر الجرود، أو عبر التضحيات الكبرى التي قدمها أهالي بلدة القاع أمام الأخطار التي كانت تحدق بهم من الجماعات الارهابية.

صباح 19 آب من العام 2017،باسم لبنان، والعسكريين المختطفين، ودماء الشهداء الأبرار، وباسم أبطال الجيش اللبناني العظيم، أطلق قائد الجيش العماد جوزف عون عملية “فجر الجرود”. وفي الـ30 من الشهر نفسه، أعلن عون النصر على الجماعات الارهابية وتحرير الجرود.

قبل سنتين تقريباً، أي في العام 2016، وضمن أجندة تنظيم “داعش”، تعرضت بلدة القاع لـ8 عمليات انتحارية بأقل من 24 ساعة، راح ضحيتها خمسة شهداء.

هذه المأساة، سلطت الضوء أكثر على الأوضاع الاجتماعية والمعيشية وحتى الأمنية التي يعيشها أهل الحدود. وعود كثيرة أعطيت وقتذاك من قبل السلطة السياسية، فماذا تحقق اليوم بعد سنتين؟ وكيف يعيش الأهالي؟ وهل تحول الخطر من امني الى اجتماعي؟

القاع

الوضع في القاع تحسّن أمنياً وعسكرياً ولكن اقتصادياً الناس تعاني أكثر من قبل ولا حضور لأهالي القاع في البلدة لاسباب اقتصادية. نفذنا بعض المشاريع الانمائية كما قال رئيس بلدية القاع المحامي بشير مطر لـIMLebanon ونقوم بتنفيذ أخرى بدعم من الامم المتحدة والـusaid والـUNDP وغيرها من المنظمات الداعمة، ولكن هناك مشاكل كثيرة لا تزال موجودة وتحتاج إلى معالجة واهتمام أكبر من قبل الدولة.

أولا، موضوع الارض الذي لا يزال يشكل خطرا كبيرا على المنطقة، نتيجة غياب الضم والفرز. وهذا الموضوع الخطير قد يولّد مشاكل نحن بغنى عنها، من هنا، فإن البلدية تحاول ان تحد من الانتشار الفوضوي ووضع حد للتعديات وفرض القانون لكن المطلوب مواكبة أمنية وقضائية وعسكرية للمسألة. سبق وطالبنا باقامة ثكنة للجيش اللبناني في منطقة “سهل القاع” التي هي “مشاريع القاع” من اجل وضع حدّ للتجاوزات والتعديات من قبل فئة من المواطنين، لكن هذا الأمر لم يحصل. إذ يجب ان يكون هناك ضم وفرز بشكل سريع يسبقه قرار بوقف البناء والتعدي واستصلاح الاراضي بطريقة غير مشروعة.

ودعا كل من يريد أن يتملك في أرض القاع ان يراجع البلدية مسبقاً تفادياً لأي مشاكل قانونية لاحقة، وأن يدقق بملكية الارض التي يريد ان يشتريها، خصوصاً أن العديد من المتعدين يقومون ببيع اراض مملوكة بالشيوع مما يسبب مشاكل قانونية، وخصوصا بين البلدية والمواطنين. وأضاف مطر: “نبهنا ووضعنا يافطات وابلغنا الجميع انه ممنوع البيع والشراء من دون اذن البلدية”، مؤكدا أن ارض القاع ليست سائبة وسنحافظ عليها.

ثانيا، هناك مشاكل على مستوى مياه الري والشفة، فمشكلة الصرف الصحي والجور الصحية الموجودة في القاع أو في مشاريع القاع تؤثر على مياه الشفة، كذلك على المياه التي تروي الأشجار والمزروعات. كما هناك مشكلة على صعيد الآبار الارتوازية حيث هناك صعوبة للاستحصال على رخص لحفر الآبار من قبل القوى الامنية.

مطر اشار إلى أن البلدية تفتش عن مصادر مياه استراتيجية لذلك هي تحتاج الى مصادر دعم وتمويل للقيام بالمشروع.

ومن المشاكل التي تعانيها القاع على مستوى المياه، هي التعديات وقطع المياه عن المنطقة، من قبل “جيران البلدة”. فمياه القاع تصلها عبر مرورها ببلدات اللبوة والنبي عثمان والعين وجديدة الفاكهة ورأس بعلبك، وبالتالي، التعديات في هذه البلدات تمنع وصول المياه الى القاع وهذا موضوع يهجّر اولاد البلدة، سائلا: “لصالح من يُهجر اولاد القاع؟ وهذا السؤال برسم المسؤولين”؟.

من المشاكل في القاع الوضع التربوي والجامعي حيث تقوم البلدية بتأمين نقل الطلاب الجامعيين الى زحلة من خلال بوسطة مقدمة من مؤسسة الوليد بن طلال. وبوسطة اخرى من بلدية الحازمية لتأمين الاهالي الى البلدة.

ثالثا، مشكلة النفايات التي تعجز البلدية عن معالجتها نظرا للأطنان الكبيرة في القاع وفي “المشاريع” ومن اللاجئين السوريين، من هنا، ناشد مطر المعنيين والدول المانحة والدولة المساعدة لتنفيذ مشاريع حل لأزمة النفايات.

بعد الهجوم على القاع ولاحقاً تحرير الجرود، وعدت القاع كما عرسال بتعويضات مالية تصل الى 15 مليون دولار في سبيل نهضة البلدتين، إلا أن هذه الأموال لم تصل حتى الساعة رغم الوعود التي أطلقت. كما هناك تعويضات تتعلق بأزمة السيول التي حصلت، لم تصرف بعد. وفي هذا الإطار، نبه مطر إلى أن مجاري السيول لم تنظف بعد، لذا يجب معالجة هذا الموضوع قبل حصول اي كارثة.

ومن المشاكل المزمنة للقاع، موضوع تعويضات مهجرين الحرب اللبنانية التي لم تصرف لهم حتى الساعة. علماً أن الأموال كانت موجودة في وزارة المهجرين وقد صرفت في اماكن اخرى، من هنا، المطلوب اعادة النظر بتعويضات المهجرين من جديد.

مطر دعا لتحسين الوضع الاقتصادي في المنطقة، الى رفع تصنيف معبر القاع جوسية من فئة ثانية الى فئة اولى. كما دعا الى تصريف الانتاج للمزارعين، وايجاد الاسواق لهم لان الوضع اقتصادي صعب جداً.

رغم كل هذا فإن أبواب القاع مفتوحة لاستثمارات جديدة، كما يؤكد مطر، فاليوم بدعم ومساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية والـUNDP وغيرها نحن بصدد القيام بالعديد من المشاريع، منها، انشاء منطقة صناعية.

مطر الذي نوّه بحضور وزارتي الطاقة والأشغال في القاع، شاكراّ لهما جهودهما والأعمال التي يقومان بها، دعا إلى مزيد من الجهود، لأن التحديات في القاع كبيرة وخطيرة، وتحتاج لعمل مضاعف. كما ناشد المؤسسات الداعمة وعلى سبيل المثال مؤسسة رينه معوض إلى وضع القاع ضمن اجندة اهتماماتها.

رئيس بلدية القاع الذي نوه أيضاً بدور الجيش في البلدة والقوى الأمنية، اللذين لهما حضور مميز وجيد ومطمئن للناس، شدد على وجوب قيام منطقة عازلة لمنع التهريب التجاري والامني والسياسي.

لدى بلدية القاع امكانات بسيطة، على المستوى المالي وعلى مستوى الكادر البشري، لذا، فإن قيام الصندوق البلدي المستقل بدوره تجاه البلدية سيؤدي حتماً إلى القيام بخطوات من شأنها تعزيز العمل البلدي ورفع الاستعداد للمواطنين للحضور الى بلدتهم.

 

عرسال

رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري شرح لـIMLebanon طبيعة الحياة التي كانت موجودة قبل وبعد معركة فجر الجرود، وقال:

“بعد فجرد الجرود الأمور بدأت تتغير، الوضع الامني تحسن، الظهور المسلح اختفى وتم ترحيل المسلحين. سيطرت الدولة على داخل البلدة والجرود. على الصعيد الاقتصادي، تم استرجاع الأراضي التي كانت مصادرة من قبل المسلحين، المزارعون بدأوا العمل بأراضيهم والمناشر والمقالع بدأت تستعيد عافيتها. وبعدما كانت الزراعة والصناعة شبه مشلولتين قبلا، بدأت اليوم تتحسن بشكل تدريجي.

لكن، هذا التحسن الذي يعود الفضل فيه لأهالي عرسال، لا يقابله جهود واعدة على مستوى التحديات التي تواجهها البلدة. فهناك غياب حقيقي لكل الوزارات المعنية للعمل في عرسال بدءا بالطاقة وصولا الى الاشغال وغيرها. أخذنا وعودا من الدولة وبعض المنظمات الدولية بمساعدات لم ينفذ منها شيء، علما ان هناك احتياجات كبيرة وحرمانا لا تستطيع امكانات البلدية أن تسدد الحاجات المطلوبة.

مبلغ الـ15 مليون دولار الذي وعدت به عرسال للمساهمة في اعمار بنتيها التحتية ونهضتها، لم تر منه إلا قسم زهيد من خلال اعطاء الاذن بالمباشرة في بناء مدرسة التي تبلغ كلفتها نحو مليوني دولار. التعويضات حتى لم تكن بشكل جيد، فالمزارعون حصلوا على تعويضات لموسمين او ثلاثة فقط.

الطرقات تخضع لاعادة تأهيل صحيح لكن الامور بحاجة الى كثير من الاعمال والمنطقة والبنى التحتية. فالمشكلة الكبيرة ان لا صرف صحياً في البلدة، كما يقول الحجيري، والمشكلة تتفاقم بسبب الكثافة السكانية وهناك خطر على مياه الشفة والريّ، بسبب وجهة الصرف الصحي. من هنا، المطلوب معالجته من قبل الحكومة او من المنظمات الدولية.

المعالجات ليست على مستوى التحديات، يقول الحجيري، وحقنا بالدرجة الأولى هو على الدولة التي يجب ان تؤمن خدمات الصحة والبيئة والتعليم لعرسال.

وفي ما خص اللاجئين السوريين، اعتبر أنه في بعض الجوانب وضع اللاجئ افضل من وضع اللبناني الموجود في عرسال نتيجة المساعدات التي تصلهم. هناك ضغط كبير على البنة التحتية من كهرباء وماء وخدمات اخرى، المطلوب الاهتمام بها، لذلك، هناك حاجات مشتركة لكل المجتمع العرسالي من لبنانيين وسوريين. لكن لا خلافات، والبلدية تقوم بتقديم كل ما يلزم لكل من يريد ان يعود إلى دياره، فعودتهم طوعية الى سوريا. ودورنا يكون تماشيا مع رغبتهم”، كما اكد الحجيري.

اذا، هناك معاناة خاصة لكل بلدة حدودية، فالقاع لديها خصوصياتها وكذلك عرسال، لكن هناك معاناة مشتركة، وهي أن يكون اهتمام الدولة أكبر بهذه البلديات، لناحية تأمين الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين، والتي لا يجب ان تكون منّة من احد، لتثبيت الانسنان في أرضه في القرى والبلدات الحدودية.