مطار بيروت… بين تضارب صلاحيات و”السياسة”! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

فضائح نوعية يمر بها اللبنانيون. ولأن المسألة متعلقة بالمطار فالفضيحة تكون من النوع الثقيل. الخلاف بين قائد جهاز أمن المطار العميد جورج ضومط المحسوب على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والذي عُيّن في تشرين الثاني 2015، وقائد سرية قوى الامن الداخلي العقيد بلال الحجّار المحسوب على “تيار المستقبل” والذي يشغل موقعه منذ آب 2005، أظهر أولا، مدى عمق الأزمة على مستوى فقدان الدولة لحضورها في القطاعات كافة، وثانياً، تضارب الصلاحيات على محور الجيش – قوى الأمن.

من دون الدخول في تفاصيل الحادثة التي كثر الحديث عن أسبابها، سنلقي الضوء على الأجهزة الموجودة في المطار، وعلى الصلاحيات المنوطة بكل جهاز والمتداخلة في آن.

“الجهاز”… وجوهر المشكلة!

نص المرسوم 1540/1978 على انشاء جهاز خاص للدفاع عن مطار بيروت الدولي وحفظ الامن فيه بما في ذلك حرم المطار، يعرف بـ”الجهاز”، الذي يتألف من جميع عناصر القوى المسلحة: من جيش وقوى امن داخلي وامن عام وجمارك وحرس واطفائية المطار. ووزير الداخلية هو المسؤول عن كلّ الأجهزة الأمنية في المطار.

المرسوم وضع خلال الحرب اللبنانية، بعد الانتشار الفلسطيني في بيروت وحول المطار، وضعف العديد من مؤسسات الدولة، فأُرسل الجيش لحماية المطار، وتم انشاء جهاز امن المطار، وعلى رأسه قيادة، وتتبع الأجهزة العاملة في المطار لقائد جهاز أمن المطار.

الأجهزة العسكرية!

اذا، في المطار جهاز واحد يضم في كنفه أجهزة عدة، وهو الذي يدير وينظم ويحمي، والمرجعية الكاملة تعود له. وعلى رأس جهاز أمن المطار يعين ضابط قد يكون من الجيش اللبناني أو من قوى الأمن الداخلي، ولو درج العرف على تعيين ضابط من الجيش، يكون نائبه حكماً ضابط قوى امن داخلي. ويتم التعيين في مجلس الوزراء ويوقعه الوزراء المختصون، أي الداخلية والدفاع والمالية والأشغال العامة والنقل.

الأدوار!

جهاز امن المطار مسؤول عن امن المطار بكامله، تخضع له كتيبة مدافعة عن المطار من الجيش، لحراسة المطار من الخارج. كما لديه وحدة استقصاء لمراقبة اي تحركات غريبة ومشبوهة ضمن حرم المطار.

الجمارك عملهم يتعلق بمراقبة وعبور البضائع.

الامن العام يرتبط عملهم بالتعاطي المباشر مع المواطنين، مراقبة الداخل والخارج، وضع الأختام، اضافة الى وجود وحدات استقصائية للمراقبة.

الامن الداخلي يعمل في التفتيش، ضبط حركة السير في محيط المطار، الحراسات، والتفتيش.

هذه الأجهزة بحسب المرسوم 1540، تأتمر بأمرة قائد جهاز أمن المطار، ويجب أن تفيده عن كل المستجدات وأعمالها في المطار، لكن ما يحصل أن هذه الأجهزة من ناحية طبيعة عملها ليس بمقدورها ان تتبع بطبيعة عملها لأسلوب عمل وتفكير ضابط الجيش، هي تتبع بطبيعة عملها للمؤسسة التي تنتمي اليها. فعلى سبيل المثال، ان قائد جهاز امن المطار مسؤول عن وحدة الأمن العام الموجودة في حرم المطار لكن لا يمكنه ان يملي على أفراد الامن العام طريقة عملهم، لأنه لا يلم بمضمون عملهم فمعرفته بعمل الجهاز تكون محدودة عادة. حتى أن تعليمات عمل جهاز الامن العام في المطار تضعها المديرية العامة للامن العام، وعلى العناصر الموجودة العمل ضمن هذه التعليمات، بحسب ما أفاد مصدر امني IMLebanon. وانطلاقاً من هذا الواقع، كل جهاز يتلقى تعليماته من القطعة التي ينتمي اليها.

لكن مع قوى الامن يختلف الموضوع، فعملهم يخوّل قائد جهاز امن المطار الدخول فيه وإملاء تعليماته، من هنا يمكن فهم تكرار الصراعات بين الجيش وقوى الأمن. وهذا مردّه بحسب المصدر الأمني إلى مشكلة في المرسوم الذي أنشأ جهاز امن المطار، والذي، بسبب طبيعة نصّه، يفتح البابَ أمام الاجتهادات، وبالتالي من المفترض تعديله خصوصا لناحية الامرة، بحيث “تأتمر الأجهزة الموجودة في المطار بقائد جهاز أمن المطار ولكن ليس في طبيعة عملها بل بالانضباط العملي”.

الأجهزة المدنية

في المطار هناك المديرية العامة للطيران المدني، ومديرها هو الأعلى سلطة في المطار. وظيفتها سلامة الطيران والاسس والقوانين والقواعد. وهي الادارة المعنية في تنظيم امور المطار لناحية الاجراءات والاعمال المنوي تنفيذها. وتتبع وزارة الاشغال والنقل.

“المديرية العامة للطيران المدني” هي رأس الادارة، تضم مديرية الاستثمار الفني، ومديرية المطارات، التي تضم بدورها رئاسة المطار،أي رئيس مطار ونواب رئيس. واربع دوائر ورئيس على رأس كل دائرة.

مصلحة دروس المطارات. هذا اضافة الى وجود مصالح مستقلة، هي مصلحة النقل الجوي. مصلحة الارصاد الجوية. مصلحة سلامة الطيران. الديوان الذي يرعى شؤون الموظفين.

أما مديرية الاستثمار الفني فتضم، المصالح الفنية (التجهيزات الفنية، صيانة الأجهزة، الأبحاث والدراسات، والملاحة الجوية).

– اقتراح الهيئة العامة

تم توقيع قانون الهيئة العامة للطيران المدني منذ العام 2002، ينظم شؤون الادارة من ناحية الامن والمعاملات الادارية وشؤون المطار كافة. يتمتع باستقلالية مالية وادارية ويبعد الروتين الاداري وينظم الأمور بشكل متطور، خصوصاً أن المديرية العامة لا تزال تسير اعمالها وفق المرسوم 1610 الذي لم يعد يتلاءم مع تطورات الحاضر. ومرسوم الهيئة العامة يفصل السلطة التشريعية عن التنفيذية ويمنع التضارب في الصلاحيات، ولا زال متوقفاً منذ العام 2002 لأسباب سياسية.

المشكلة مزمنة… لماذا انفجرت اليوم؟

يقول المصدر الأمني إن موضوع الأزمات في المطار قديم، اليوم الشخصان لا يتفقان. وتراكم الأمور ولد مشكلة كبيرة. وقد اخذت المشكلة ابعادا سياسية. اضافة الى ان مواقع التواصل الاجتماعي فاقمت المشكلة اكثر.

ويقول مصدر أمني آخر لـIMLebanon إن المشكلة والتناتش على الصلاحيات بين الأجهزة الموجودة ضمن “الجهاز” الواحد ليسا وليدة اليوم، فهي مشكلة مزمنة لكن لم تصل يوماً إلى هذا الحدّ، خصوصاً أن مبدأ “التراتبية” في العسكر يضبط عمل الضباط، وبالتالي لا مصلحة لأي ضابط أقل رتبة التطاول على الضابط الأعلى منه رتبة. ففي القيادة هناك ما يسمى بـ”وحدة الادارة”، فاذا لم تكن موجودة، هذا يعني فقدان “الرأس” وفقدان الادارة وفقدان القيادة. ويصبح كل ضابط أو جهاز “فاتح على حسابو”، وبالتالي يبدو مما حصل في المطار أخيراً بين الضابطين أن “هيبة” الجهاز مفقودة أساساً، هذا أولا، وثانياً، هناك مشكلة وضعف في المرسوم الذي ينظم جهاز امن المطار.

من هنا، يجب إعادة النظر بالمرسوم لضمان عدم تناتش الصلاحيات التي يتمسك بها كل ضابط على خلفية طائفية في مرات عديدة، وبالتالي، على الجميع أن يعرف أن وجوده هو لحماية المواطنين وهيبة الدولة والجمهورية وليس الطائفة التي ينتمي اليها.

نتيجة هذه الأزمات المتكررة، جرت محاولات عدة لتنظيم المطار بشكل يشبه العديد من الدول الغربية، حيث يعود الأمن في المطار الى مسؤولية سلطة الطيران المدني، او تحت سلطة واحدة، كأن يكون جهاز امن المطار مكوّن من سلطة واحدة، وليس من أجهزة امنية وعسكرية عدة.

ماذا يعني أن يُقرر ضابطان وعناصر توقيف مطار الدولة؟

ببساطة، يستند هؤلاء إلى كونهم محميين من زعمائهم السياسيين ومسؤوليهم الإداريين لدرجة أنّهم قادرون على تعطيل المطار من دون حسيب. فالدولة ضعيفة لدرجة أنها ليست قادرة على أن تفرض على ضابطين، رئيس ومرؤوس، أن يتعاونا. والإطاحة بضابط من دون الآخر تعني كسر الطرف المقابل. فكيف سيكون الحل؟