مستقبل المنظمات الفلسطينية…على المحك السياسي (محمود خالد)

تتنوع التحديات التي تتعرض لها المنظمات الفلسطينية في ظل التغيرات والتحولات الحاصلة بالمنطقة حالياً، خصوصاً مع التهديد بإبرام “صفقة القرن” والأهم من ذلك الإعلان عن التحديات الاستراتيجية والسياسية أمام الفلسطينيين خصوصاً تحدي المستقبل!

واهتم عدد من التقارير الصحافية الغربية أخيرا بهذه النقطة بالتحديد خصوصاً وان الكثير من المنظمات الفلسطينية لا تمتلك بنيانا تنظيميا واضحا، أو خليفة لمنصب الرئيس حال حصول تغيرات سياسية للكثير من قادة الفصائل. كما بات هناك اهتمام واضح بالبنية التنظيمية والجيوسياسية لحركة “حماس”، خصوصاً في صحف بريطانية وأميركية وحتى إسرائيلية.

ونشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أشارت فيه إلى دقة الأوضاع في حركة “حماس”، وتحدثت فيه مع عدد من المسؤولين في الحركة، بالطبع دون أن تذكر أسمائهم، الأمر الذي اثار جدلا واسعا على الساحة الفلسطينية.

ولعل تعامل حركة “حماس” مع تداعيات هذا التقرير يعكس شعورها بضرورة الرد على ما ورد به، حيث تحدث فيه مسؤولين من الحركة زاعمين أن هناك خلافات سياسية بين زعيم الحركة يحيى السنوار ورئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية بشأن عدد من القضايا والتحديات السياسية. ومن بين هذه القضايا اسلوب التعاطي مع قضية الأسرى وعدم التنسيق بين جناحي الحركة.

صحيح أن التقرير لم يذكر اسماء هؤلاء المسؤولين إلا ان تعاطي حركة “حماس” ونهجها السياسي بعد نشره يؤكد محاولتها راب أي صدع متوقع من الحركة، حيث اجتمع السنوار مع هنية ليلة نشر التقرير، عارضين صورهما وهما يتداولان عدداً من القضايا الداخلية، ما يؤكد أن الحركة التقطت الرسالة وبدأت في العمل على الرد عليها.

اللافت هنا أن منصات الحركة الإعلامية سواء من الصحف أو القنوات أو حتى حسابات التواصل الاجتماعي سعت إلى التعامل بجدية مع ما ينشر في وسائل الاعلام ويتعلق بملف الخلافات بين عناصر الحركة، خصوصاً وأن الأمر لم يتوقف عند حد الحديث عن وجود خلافات بين إسماعيل هنية من جهة ويحيى السنوار من جهة أخرى، بل أمتد الأمر ليصل للحديث عن وجود خلافات بين القائدين في الحركة إسماعيل هنية ويحيى السنوار من جهة وبين القياديين صالح العاروري وماهر صلاح نائبي رئيس المكتب السياسي من جهة أخرى، ما دفع بالحركة للعمل على التعاطي بحسم مع الحديث عن التباين.

وما زاد من دقة هذه القضية حديث بعض التقارير الفلسطينية عن وجود هذا التباين، وسط معلومات نشرت عن خلافات ونزاعات تعصف بحركة “حماس” تهدف إلى السيطرة على مراكز القوى بين مختلف الجهات في الحركة.

ويظهر ما يشير إلى هذه الخلافات داخل الحركة بشكل ضمني في وسائل الإعلام المتنوعة وبالأخص في العالم العربي، إلا أن هذه التلميحات تتستر على نزاعات عميقة وعلاقات داخلية سيئة ومتوترة لا تخلو من اعتبارات سياسية ومعقدة.

وتعترف بعض من هذه التقارير بأن الحركة تمر بفترة عاصفة في تاريخها، وهي الفترة التي تزداد دقة خاصة في ظل تعامل الحركة العسكري مع تداعيات الاحتلال والتصدي له، فضلا عن محاولتها أيضا الوصول لصيغة توافقية لحسم محادثات المصالحة الفلسطينية المتعثرة مع حركة “فتح”.

وتتصاعد دقة هذه القضية مع ما طرحته معاهد بحثية في العالم عن دقة هذا التباين وتزايده بسبب المواقف الدولية أو الإقليمية لقيادات الحركة وارتباطها بجهات معينة يؤدي التباين فيما بينها إلى تصاعد الخلافات.

ويشير “معهد الشرق الأميركي” إلى دقة هذه القضية، حيث تتهم أطراف في حماس بعضها البعض بأنها تنتهج سلوكا يضر بالحركة ومصالحها الحيوية، لافتاً إلى أن عدداً من الأطراف بالحركة يتهم أطرافا أخرى بانتهاج سياسات تخدم فقط الأطراف التي تخدمها وتدعمها سياسيا، وتحديدا تركيا وإيران، الأمر الذي ينعكس بصورة سلبية في النهاية على الحركة.

وفي ذروة كل ذلك باتت هناك أسماء مهمة بالحركة يتم ذكرها في وسائل الاعلام، وهي الاسماء التي يبدو أن قوتها السياسية دفعت بعدد من التقارير الصحفية للاهتمام بها. ولعل أبرز هذه الاسماء هو القيادي بالحركة محمد نصر الذي تلقبه بعض من القيادات الفلسطينية بأنه مهندس العلاقات بين حركة “حماس” وإيران.

وتشير دراسات إلى أن نصر يقف في قلب الخلافات الدائرة هذه الأيام في حماس.

ويقيم محمد نصر في قطر وهو شخصية مرموقة ومخضرمة في قيادة “حماس” تولى في السابق سلسلة من المناصب الهامة في قيادة الحركة بالخارج على مر السنين، بالاضافة إلى كونه الساعد الأيمن لمسؤولين كبار في القيادة مثل خالد مشعل. ويرى البعض أنه الرجل المهم في الحركة والذي لا يعرف الكثيرون خطواته المقبلة، ما دفعهم الى وصفه برجل سر الحركة.

ومع ذلك تعرض نصر لضربة هزت مكانته القيادية في العام الماضي، وذلك إثر ابتعاده عن قيادة الحركة في الخارج، ليصبح أحد المقربين من إسماعيل هنية في قطاع غزة، علما بأن أسلوب نصر الإشكالي الذي لا يراعي الحدود في تعامله مع الآخرين والذي سبق أن فرغ عمل القيادة في الخارج من مضمونها في بعض الأحيان كان قد جلب له انتقادات شديدة.

ويشهد مسؤول مقرب من قيادة “حماس” بأن الخلاف حواء أداء نصر بلغ أعلى مستوياته في قيادة الحركة وذلك خوفا من اضرار قد يلحقها سلوكه هذا بعلاقات الحركة الحساسة مع شركائها الاستراتيجيين مثل طهران التي تشكل سندا أساسيا لحماس في المجالين العسكري والاقتصادي. ونوه المسؤول ذاته إلى أن المقربين من نصر لاحظوا تقليصا في حجم نشاط الأخير مؤخرا، لكن لا يمكنهم الجزم في هذه المرحلة ما إذا كان الأمر يشير إلى تغيير طرأ على مكانة نصر في “حماس”

وعلى كل حال يرجح أن الأمر لن يكون نهاية قصة، حيث أن قيادة “حماس” تريد إظهار التلاحم ووحدة الصف ولكن يبدو أن الخلافات الداخلية في الحركة لا يمكن كنسها تحت البساط.