IMLebanon

ماذا بعد تشكيل الحكومة؟

كتب بروفسور جاسم عجاقة في صحيفة “الجمهورية”:

تفاعلت الأسواق المالية بشكل إيجابي جداً مع إعلان تشكيل الحكومة اللبنانية مُظهرة بذلك ترقّبها للخطوات التي ستأخذها الحكومة الجديدة على الصعيد الإقتصادي. وإذا كان تنفيذ مقرّرات «سيدر» هو من الأولويّات التي عبّر عنها الرئيس الحريري على أثر تشكيل الحكومة، إلّا أنّ هناك عدداً من التدابير ستكون صعبة التنفيذ في غيابِ إتفاقٍ سياسي.

من البديهي القول إنّ سندات الخزينة تتأثر بالوضع السياسي أكثر من أيّ أداة مالية أخرى والسبب يعود إلى أنّ سندات الخزينة هي عبارة عن أدوات مالية تستخدمها الحكومة للإستدانة من الأسواق. وبالتالي فإنّ الوضع الحكومي يعكس بنظر المُستثمرين قدّرة الحكومة على مواجهة إستحقاقاتها المالية. والمُلاحَظ من الأحداث الأخيرة التي مرّت على الساحة السياسية أنّ سندات الخزينة بالدولار الأميركي (Eurobonds) تفاعلت بشكل سريع جداً مع تصريحات المسؤولين، حيث إنخفضت أسعار الأسهم مع تصريح وزير المال وعادت إلى الإرتفاع مع إعلان قطر شراء سندات خزينة بقيمة 500 مليار دولار أميركي.

لكنّ ردّة فعل الأسواق على تشكيل الحكومة الخميس الماضي والتي تُرجمت بإرتفاع أسعار سندات الخزينة (LEBAN 7.25 03/23/2037) بقيمة 4.3 نقاط، لا تعكس فقط إعلان تشكيل الحكومة بل تحوي في طيّاتها إعترافاً ضمنيّاً من قبل الأسواق بالقدرات الكامنة في الإقتصاد اللبناني.

من هذا المُنطلق، تعقد الأسواق المالية أمالاً كبيرة على الخطوات التي ستتّخذها الحكومة في المرحلة المُقبلة على الصعيد الإقتصادي من ناحية أنّ الإقتصاد اللبناني يعيش حالة شبه ركود مع نموٍّ إقتصادي بحدود الـ 1% ومالية عامّة تعيسة تحوي عجزاً مُزمناً بأكثر من 6 مليارات دولار أميركي سنوياً. بالطبع هناك شبهُ إجماع لدى المسؤولين (وحتى الإقتصاديين) أنّ الخلاص لا يُمكن أن يأتي إلّا من باب تنفيذ مقررات «سيدر 1» والتي تحوي شقّين: إصلاحي وإستثماري.

ومن المعروف أنّ الفوائد الحالية والمُرتفعة نسبياً لا تؤمّن أجواء إستثمارية للمُستثمرين بحكم غياب القرارات الإصلاحية من قبل الحكومة. لذا تأتي إستثماراتُ «سيدر 1» لتُشكّلَ المُحرّكَ الأساسي والضروري لإقناع المُستثمرين بأنّ عائدات الإستثمار في الإقتصاد اللبناني هي أعلى من عائدات الفوائد التي تُعطيها المصارف اللبنانية على الودائع بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي.

إذًا نرى ممّا تقدّم أنّ تحفيزَ النموّ الإقتصادي مرهون بإستثمارات في القطاع الخاص التي تنتظر إستثمارات «سيدر 1». وهذه الأخيرة مرهونة بدوّرها بالإصلاحات التي ستقوم بها الحكومة اللبنانية لخفض العجز في الموازنة وتأمين مناخ إستثماري ملائم للمرحلة المقبلة.

وهنا تظهر الإشكالية الأساسية: ما هي الإصلاحات المطلوب من الحكومة القيام بها؟

النظرة الدولية للإصلاحات هي نظرة مالية بالدرجة الأولى من ناحية تخفيض عجز الموازنة بهدف الإنتقال إلى فائض في السنوات الخمس المقبلة. وهذا الأمر يتمّ (على الأمد القصير إلى المُتوسّط) عبر ثلاثة طرق: تأمين مداخيل تُغطي الإنفاق العام، أو خفض الإنفاق إلى مستوى أقلّ من المداخيل، أو الإثنين معاً.

زيادة المداخيل على الأمد القصير لن تكون سهلة وقد تلجأ الحكومة إلى فرض ضرائب جديدة على التبغ، البنزين، رسوم وغيرها. وتُشير المُعلومات المُتوافرة لدينا، أنّ هناك بحثاً بأكثر من عشرين نوعاً من الضرائب يتمّ التوافقُ عليها لتمريرها في مشروع موازنة العام 2019. وهذا الأمر إن صحّ سيخلق إمتعاضاً شعبياً لا يُمكن قياسُ حجمه بحكم أنّ ردّة فعل المواطن ستكون رهينة وضعه المالي لحظة فرض الضرائب.

خفضُ الإنفاق من جهته يعني خفض ثلاثة بنود أساسية في الموازنة: كتلة الأجور، خدمة الدين العام ودعم مؤسسة كهرباء لبنان. وهذا يعني أنّ هناك إلزامية لمحاربة الفساد والتي سبق لرئيس الجمهورية أن تحدّث عنها بقوله إنّ الأمر لم يعد يُطاق، وأعاد رئيس الوزراء الحديث عنها في خطابه بعد إعلان تشكيل الحكومة. ومع إعلان مُعظم الأحزاب السياسية نيّتها مُحاربة الفساد، نرى أنه، من باب المصداقية، لن تكون هناك مُشكلة في خفض الإنفاق من خلال رفع الغطاء عن الفاسدين في مؤسسات الدوّلة اللبنانية. وبما أنه سبق وقدّرنا حجمَ الفساد سنوياً بخمسة مليارات دولار أميركي كخسائر مباشرة على خزينة الدولة وخمسة مليارات دولار أميركي كخسائر غير مباشرة (غياب فرص إقتصادية)، من المنطقي القول إنّ محاربة الفساد وحدها ستكون كفيلة بمحو عجز الموازنة.

لكنّ التحليلَ المنطقي يقودنا إلى القول إنّ الدولة ستعمد إلى رفع الضرائب والرسوم بحجّة حاجتها الآنية للأموال وإنّ محاربة الفساد لا تُعطي مفعولاً آنيّاً. إنّ فرض الضرائب لن يمرّ مرور الكرام عند المواطن إلّا إذا كانت هناك خطوات لمكافحة الفساد تسبق فرضَ الضرائب. أما من ناحية المُجتمع الدوّلي فإنّ مصداقية الإصلاحات ستكون عبر موازنة (2019) واقعية تحوي خطواتٍ جدّية لرفع الإيرادات وخفض الإنفاق. وكلنا يتذكّر رغبة الرئيس الحريري بخفض الإنفاق في موازنة 2018 بنسبة 20% وكيف تُرجمت على الأرض بإرتفاع العجز من 4.8 مليارات د.أ متوقّعة في موازنة العام 2018 إلى أكثر من 6 مليارات د.أ فعلية في نهاية العام 2018. هذا الأمر يُظهر أهمية التعاضد الحكومي بين مكوّنات الحكومة السياسية ونيّتها الإلتزام بما تُقرّره وتصوّت عليه في المجلس النيابي.

يبقى القول إنّ هولندا أعطت درساًَ كبيراً في خفض العجز في الموازنات من خلال قرارها (في ستينات القرن الماضي) بخفض كل بنود الموازنة بنسبة مئوية مُعيّنة (1% مثلاً كافٍ للبنان) على سنوات ما سمح لها بمحو العجز. الجدير ذكره أنّ كتلة الأجور يُمكن خفضُها سنوياً بنسبة 1% عبر توظيف شخص واحد لكل ثلاثة موظفين يبلغون سنّ التقاعد.

في الختام نرى في تشكيل الحكومة، تصريح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والأحزاب السياسية كافة برغبتهم محاربة الفساد، مؤشرات تُعطي الأمل في المرحلة المُقبلة. هذه المرحلة (المنشودة) هي مرحلة خالية من العجز مع نموّ إقتصاديٍّ كافٍ لإمتصاص الدين العام وخفضه إلى ما دون الـ 100% من الناتج المحلّي الإجمالي.