IMLebanon

لو كان ريمون إده حيا…

عقدان من الزمن اقتربت الرزنامة اللبنانية من طيهما بعد غياب من لم تتسع الألقاب الكثيرة لاسمه ولا لصوته المعارض الصارخ في برية الأداء السياسي المطبوع بالأخطاء، بل الخطايا، المميتة التي يرتكبها المسؤولون الذين اختارهم الناس يوما ليقودوا سفينة الوطن التي تبدو مبحرة بثبات نحو الغرق، ما لم يتحرك أصحاب الأيادي البيضاء قبل فوات الأوان.

إنه “العميد”… “الآدمي”… “ضمير الجمهورية”… إنه ريمون إده، تعددت الألقاب والاسم واحد، إنه إده عميد الكتلة الوطنية الذي حفر اسمه في الذاكرة الجماعية الوطنية فارسا سياسيا شجاعا إلى حد خوض غمار المعارضة، في وجه أغلب العهود الرئاسية… بما فيها ذاك الذي كان على رأسه باني دولة المؤسسات، وبطل الاحتكام إلى الدستور، الزعيم التاريخي فؤاد شهاب، إلى حد أن موجة مواقف إده المعارضة بلغت قضاء كسروان الذي يتحدر منه شهاب، فيما كانت الجارة الأقرب، مدينة جبيل وقضاؤها معقل إده وملعبه الأول، تماما كما مجلس النواب، الذي لا يزال يحفظ بين أرجائه صوت “العميد” الصارخ في وجه التجاوزات الدستورية الكثيرة والكبيرة التي بادر إليها بعض من في الحكم والحكومات المتعاقبة. كيف لا وهو الذي لم يتوان عن معارضة اتفاق القاهرة الشهير الذي أبصر النور عام 1969، بعدما وقعه قائد الجيش آنذاك العماد إميل البستاني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ليتيح لهذا الأخير ومناصريه مقاومة العدو الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وهو ما اعتبره ريمون إده انتهاكا صارخا للسيادة اللبنانية، وجرا مرفوضا للبنان إلى أتون المواجهة الدموية مع الفلسطينيين. توقع لم يكذبه الزمن، وإن كان استغرق ست سنوات ليثبته، مستفيدا من بوسطة عين الرمانة التي أشعل فتيلها حربا استشف العميد خطرها العميم ولم يلق آذانا صاغية، ولا يزال لبنان يجهد في سبيل استخلاص عبرها، في وقت يعتبر بعض المتشائمين أن جهودا كبرى تبذل اليوم لدفع البلاد مجددا إلى الرقص على شفيرها… في ظل غياب الهامات الوطنية الكبيرة بحجم ريمون إده للتحذير من هذا الخطر.

لكن من الظلم بمكان اختصار ريمون إده ومسيرته السياسية الكبيرة والفريدة في الاحتجاج على اتفاق القاهرة. فهو الرجل السياسي الذي احترم الدستور والقانون إلى حد “تقديسهما والعمل على تطويرهما”، فكان أن مد المنظومة القانونية اللبنانية بنصوص وتشريعات يعمل بها حتى اللحظة أهمها على الاطلاق السرية المصرفية وإعدام القاتل، في وقت لا تزال الدولة المدنية والزواج المدني حلما يواجه الطائفية والتعنت البغيضين في وطن أريد له أن يكون منارة الحرية في شرق تآكلته الديكتاتوريات، وغابت عنه شمس الحق طويلا.

قد يقول قائل إن استحضار ريمون إده في هذا الزمن الرديء قد لا يكون في مكانه لكن هذه الاستعادة السريعة- التي لا تفيه حقه لمحطات من رحلته السياسية، تؤكد أن لبنان في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الرجالات، الذي ما كان ليسكت عن موازنة تمس الناس في أرزاقهم ولقمة عيشهم، وكان ليخوض ببسالة معركة صون الدستور والطائف وحفظ حقوق الجميع في إطار الشراكة واحترام التوازنات، بعيدا من الخطابات الشعبوية، المطبوعة بشد العصب الطائفي للأسباب المعروفة التي ما عادت خافية على أحد. غير أن الأهم يكمن في أن ريمون إده ما كان ليسكت عن التسيب السيادي الخطير في ظل إزدواجية السلاح بين الدولة وبعض من ينصّبون أنفسهم مكانها، علما أن إده كان واحدا من أشرس المدافعين عن دولة القانون في مواجهة انفلاش ظاهرة الميليشيات على طول البلاد وعرضها، والتي أدت إلى الحرب الأهلية.

20 عاما قضاها لبنان من دون ريمون إده. عقدان من الزمن مرا ونحن نبحث عن أمثال ريمون إده الذي أثبتت الأحداث الأخيرة حاجتنا إلى حنكته وصوته الصارخ، في برية التجاوزات التي لا نريد التطبيع معها. كيف لا وهو الذي ينتمي إلى صنف الزعماء الذين لا ينتظرون مركزا ليتركوا بصمة. إنه واحد من أولئك الرجال الذين تكفي أسماؤهم لتكون بحجم حلم وطن…