IMLebanon

إرتياح سياسي وإقتصادي “حَذِر”

إنشغل لبنان في الساعات الماضية بالإيجابية المفاجئة التي احاطت التقرير المُنتظر غداً من وكالة «ستاندرد اند بورز»، وأوحت بإبقاء التصنيف على نسبة سلبيته الحالية في الخانة «ـ B» على حالها مع اعطاء فترة سماح للبنان، تتيح له التقاط انفاسه الاقتصادية، واتخاذ الاجراءات التي تدفع وكالات التصنيف العالمية الى الانتقال من التقييم السلبي الى الايجابي في وقت لاحق.

على انّ هذه الايجابية، وعلى رغم من أنّها غير مكتملة، أرخت على الوضع الداخلي شيئاً من الإرتياح على المستويين السياسي والاقتصادي. وبحسب تقييم الخبراء الاقتصاديين لهذه الايجابية، فإنّ ذلك اشبه ما يكون بـ”جرس انذار ايجابي”، وربما أخير، للطاقم السياسي الحاكم في لبنان للانصراف الجدّي والفاعل، وعلى عجل، نحو وضع الازمة الاقتصادية والمالية على سكة العلاجات الجدّية والقرارات الاصلاحية والتصحيحية الحاسمة، حتى ولو كانت قاسية وجراحية في بعض المفاصل التي تكمن فيها المسببات الحقيقية لاستمرار الأزمة وتفاقمها.

وفي تقدير الخبراء، انّ الإيجابية، إذا ما تُرجمت في تقرير “ستاندرد اند بورز” غداً، بعدم تخفيض تصنيف لبنان، فذلك يمنح الحكومة فرصة لتغيير السلوك الحالي، الذي شكّل استمراراً لسلوك ثبت فشله، وتمّ اعتماده مع الحكومات السابقة وصولاً الى الحكومة الحالية، والذي ادّى الى انحدار لبنان الى السلبية الراهنة.

وهذه الفرصة متاحة عبر الشروع فوراً وبلا أي إبطاء في تطبيق البرنامج الاقتصادي الذي تمّ الاتفاق عليه في القصر الجمهوري في بعبدا، في يوم مصالحة قبرشمون، وليس الانتظار الى تشرين المقبل على نحو ما اعلن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قبل ايام.

وإذا كان الإستعجال في تطبيق برنامج بعبدا، هو أمر مهم وملح، في رأي الخبراء الاقتصاديين، إلاّ انّ الاهم هو تطوير هذا البرنامج اكثر ليأتي شاملاً، وتحديد خريطة الطريق المؤدية الى معالجة شاملة تطاول كل مفاصل الأزمة، من دون الاكتفاء بتناول بعض العناوين العامة والعريضة، الذي من شأنه ابقاء المرض على استفحاله.

وهذه الخريطة، توجب على مجلس الوزراء عقد جلسات متتالية تحت العنوان الاقتصادي لابتداع المخارج والحلول. فمن شأن هذا الامر، ان يوجّه رسائل في اتجاهات مختلفة:

– أولاً، في اتجاه الداخل اللبناني، بحيث تعطي الحكومة للبنانيين اشارة على جدّيتها، تخفف من جهة، من وطأة الارباك الذي يسود على المستوى الشعبي، والقلق من بلوغ الوضع الاقتصادي منحدرات صعبة، وتستعيد من جهة ثانية ثقة اللبنانيين بها، التي أطاحت بها المناكفات السياسية التي حكمت العلاقة بين اركان السلطة الحاكمة طوال المرحلة الماضية، وارتدّت بمنتهى السلبية على الوضع الاقتصادي.

– ثانياً، في اتجاه المجتمع الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، وكذلك لوكالات التصنيف، وأيضاً للمستثمرين، بأنّ سلوك الحكومة اللبنانية يتمتع بصدقية تمكّنها من انتزاع الثقة بلبنان، وتطمئن المستثمرين الى انّ هذا البلد لم يفقد صلاحية الإستثمار فيه.

وفقدان هذه الصلاحية كان سيحصل حتماً فيما لو جاء التصنيف المرتقب منخفضاً الى الخانة “C”. وهذا معناه دخول لبنان في حقبة شديدة الصعوبة ومفتوحة على احتمالات شديدة السلبية، جرّاء الإرباك العام الذي سيحصل، بالتوازي مع ارتفاع معدلات الفوائد، وانخفاض أسعار سندات “اليوروبوند” في الاسواق العالمية، وصعوبة بيع هذه السندات اللبنانية في الاسواق العالمية، وإلزام المصارف بزيادة رساميلها، وإشاعة مناخ غير مطمئن للمستثمرين والمودعين، وتراجع التدفقات المالية الى لبنان، وزيادة العجز في ميزان المدفوعات.

– ثالثاً، في اتجاه “سيدر”، الذي كان لبنان ولا يزال يراهن على تقديماته، علماً انّ القيّمين على “سيدر”، كانوا حتى الأمس القريب يرسلون اشارات سلبية الى المستويات السياسية والاقتصادية في لبنان، في انهم ما زالوا ينتظرون ان يلمسوا جدّية حقيقية من الجانب اللبناني في التعاطي مع “سيدر”، خلافاً للجديّة النظرية التي حاول السياسيون اظهارها مع اقرار موازنة 2019، والتي اكّدت مراجع “سيدر” انّها ليست كافية بإصلاحاتها النظرية، بل يُفترض ان تقترن بالاصلاحات الهيكلية المطلوب اتخاذها، وليس أقلّها التعيينات السريعة للهيئات الناظمة في قطاع الاتصالات والهاتف والمطار. مع الاشارة هنا الى زيارة مرتقبة للمسؤول الفرنسي المكلّف الاشراف على تنفيذ “سيدر” السفير بيار دوكان الى بيروت مطلع الشهر المقبل.

فاستمرار الحال على ما هو عليه من جمود لن يكون في اتجاه تأجيل اضافي لاستفادة لبنان من تقديماته، بل ربما يطيح بـ”سيدر” نهائياً.

وقالت مصادر مسؤولة في القطاع المالي لـ”الجمهورية”: “لا ننفي وجود ايجابية حيال تقرير “ستاندرد اند بورز”، لكن ليس في يدنا اي شيء ملموس حتى الآن، ومن هنا نحن ننتظر صدور التقرير”.

ورداً على سؤال، اكّدت المصادر انّ الاجواء ايجابية، وقد كان لها انعكاسها امس في السوق المالية، خلافاً لحال الارباك التي كانت سائدة في الايام الماضية”. وقالت: “هناك اطمئنان لدى المؤسسات المالية والمصرفية في لبنان الى الإشارات الايجابية التي وردت، ويمكن ان تنحى الامور الى ايجابية اكثر في حال صدور تقرير “ستاندرد اند بورز” خارج اطار التصنيف السلبي”.

وفي السياق نفسه، قال مسؤول كبير لـ”الجمهورية”: “من الاساس لم أكن متشائماً في ما خصّ التصنيفات عن أي وكالة تصنيف دولية صدرت، وهذا لا يعني أنني لم اكن حذراً. إلاّ انّ عدم تشاؤمي مردّه الى أنني كنت أُراقب الحركة الدولية تجاه لبنان، والإعلان الدائم لهذه الدول، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية، بالتشديد على الامن والاستقرار في لبنان والحفاظ عليهما وعدم الإخلال بهما، وهذا التأكيد لا يتفق مع التصنيف الائتماني السلبي للبنان، والذي من شأنه ان “يخلخل” البلد، ويفتحه على سلبيات تمسّ استقراره على كل المستويات. من هنا قرأت انّ الامور لا تنحى في الاتجاه الصعب”.

وكشف المسؤول، انّه يملك “معطيات تفيد أنّ لبنان نجا من التصنيف السلبي”. وامتنع عن ذكر اي من تلك المعطيات، الا انّه قال: “استطيع ان اقول انّ رئيس الحكومة سعد الحريري عاد من الولايات المتحدة الاميركية مطمئناً في هذا المجال. وهذا الاطمئنان لمسه الرؤساء والمعنيون الرسميون في الشأنين المالي والاقتصادي”.

واستدرك المسؤول قائلاً: “مع الاسف وصلنا الى وضع بتنا نقول فيه إنّ إبقاء التقييم السلبي الحالي في الخانة “B”، يبقى اهون الشرّين، من تقييم اكثر سلبية بخفض تصنيف لبنان الى المستوى”C”. وفي اي حال، يجب ان نعترف انّ الوضع صعب، لكنه ليس ميؤوساً منه، وعدم صدور التصنيف السلبي لا يجب اعتباره نهاية المطاف، اذ ما زال لبنان على مشرحة التصنيف، وهنا تقع المسؤولية على الحكومة، حيث باتت العلاجات تتطلب سرعة مبادرة وجرأة في اتخاذ القرارات، وصار على الحكومة أن تدرك ان علاج الازمة الاقتصادية المستعصية لا تنفع معه المسكنات، كما لا تنفع معه محاولات تجاهل المرض، أو افتعال الاشتباكات على عناوين فارغة سياسية ومصلحية. فبهذه الطريقة لن يطول الأمر إلاّ ونكون امام استحقاق صعب لا نستطيع معه ان نتجرّع فيه كأس التصنيف المر”.