IMLebanon

لماذا تتفاوت معدلات الوفيات جراء كورونا من بلد لآخر؟

كتبت ماريانا معضاد في صحيفة “الجمهورية”:

قد يبدو غريباً للوهلة الأولى أن يؤدي فيروس واحد، لم يثبت أنّه تحور كثيراً أثناء انتشاره، إلى تفاوت كبير في أعداد الوفيات المبلّغ عنها. ويمكن إرجاع ذلك إلى عوامل عدّة أهمها طرق إحصاء الحالات وفحصها.

أولاً، يثير مصطلح «معدل الوفيات» الكثير من الالتباس، ولهذا قد تتباين الأعداد بشدة من بلد لآخر، رغم أنّ السكان يموتون بالمعدل نفسه.

ويقول الأخصائيون، إنّ الطريقة الأولى تحسب عدد الذين يجزم الأطباء أنّهم توفوا إثر الإصابة بالمرض، في حين تحسب الطريقة الثانية عدد الأشخاص الذين يُعتقد أنّ الفيروس أودى بحياتهم، رغم عدم إجراء فحوص مخبرية لهم. وكل طريقة في احتساب عدد الوفيات تؤثر على النتيجة.

وإذا كانت الدولة لا تجري فحوصاً مخبرية لتشخيص الإصابة بفيروس «كورونا» سوى للأشخاص الذين تشتد لديهم الأعراض ويُنقلون الى المستشفيات، فإنّ معدل الوفيات في هذه البلدان سيبدو أعلى منه في البلدان الأخرى، التي تُجري فحوصاً مخبرية لجميع المصابين، سواء ظهرت عليهم أعراض أم لم تظهر.

تأثير الفحوص المخبرية

يقول ديتريك روثنباكر، مدير معهد علم الأوبئة والبيولوجيا الإحصائية في جامعة أولم بألمانيا، إنّ هذا التباين الكبير في أعداد الوفيات من دولة لأخرى سببه الرئيسي نقص الفحوص المخبرية للمصابين في كثير من الدول. ويرى أنّه لا يمكن الحصول على معدلات دقيقة للوفيات إلّا بفحص الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض، والأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض. وستكشف نتائج الفحوص عن مدى تأثير الوباء على جميع السكان وليس المصابين فقط. وتقول شيلا بيرد، من وحدة الإحصاءات الحيوية التابعة لمجلس الأبحاث الطبية بجامعة كامبريدج، إنّ الفحوصات المخبرية تلعب دوراً مهماً في وضع تدابير الصحة العامة. إذ يُعدّ الشخص مصاباً بالعدوى إذا انتقل إليه الفيروس، حتى لو لم تظهر عليه أية أعراض.

ويكشف فحص الأجسام المضادة عن آثار أي استجابة مناعية للجسم تجاه الفيروس. وتكمن أهمية هذه الفحوصات في أنّها يُستدل منها على الأشخاص الذين اكتسبوا مناعة ضد الفيروس، ويمكنهم ممارسة حياتهم اليومية بأمان، لأنّهم لن يصابوا بالعدوى ولن يساهموا في نشرها.

هل الوفاة ناجمة عن الإصابة بفيروس «كورونا» المستجد؟

ثمة عوامل أخرى تسهم في تغيير معدلات الوفيات، منها إثبات أنّ سبب الوفاة هو فيروس «كورونا» المستجد. فقد يكون المريض مصاباً بأمراض أخرى، مثل الربو، وتفاقمت حالته بسبب فيروس «كورونا» المستجد، أو ربما يكون المريض قد توفي إثر إصابته بمرض آخر لا يرتبط بفيروس «كورونا» المستجد، مثل تمدّد الأوعية الدموية في الدماغ.

ويؤثر تقدير الأطباء لأسباب الوفاة على معدلات الوفيات. ففي المملكة المتحدة، تنشر وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية الحصيلة اليومية للوفيات جراء الإصابة المؤكّدة بفيروس «كورونا»، حتى لو كان سبب الوفاة مرض آخر، مثل السرطان. في حين أنّ مكتب الإحصاءات الوطني في المملكة المتحدة يعتبر جميع الوفيات ناتجة من الإصابة بفيروس «كورونا»، طالما كان الفيروس مذكوراً في شهادة الوفاة، سواء إذا كان المريض قد خضع للفحص أم كان مشتبهاً في إصابته بالعدوى. لكن في الوقت الراهن، تُنسب جميع الوفيات بين المرضى المصابين بالعدوى إلى فيروس «كورونا»، حتى لو كان الطبيب يرى أنّ الفيروس لم يكن سبباً مباشراً في الوفاة. وسيؤثر عدد الوفيات المنسوبة إلى فيروس «كورونا» على فهمنا لوخامة المرض على المدى الطويل.

أسباب متشابكة

لكن عندما يتفشى مرض ما، من المرجح أن ينسب الأطباء الوفاة إلى هذا المرض، حتى لو كان المريض مصاباً بأمراض أخرى مسبقة. ولهذا يقول هينيغان، إنّ الأطباء يتوقعون الأسوأ عادة عندما تتفشّى الأوبئة.

وفيات تسقط سهواً

وعلى النقيض من المبالغة في تقدير الوفيات، قد يموت بعض المرضى جراء الإصابة بفيروس «كورونا» دون أن تُشخّص حالاتهم أو يخضعوا لأي فحوصات مخبرية، ومن ثم لا تُسجل الوفاة على أنّها ناجمة عن «كورونا»، ولا سيما في الدول التي تعجز فيها المشافي عن استيعاب المرضى.

وعندما تتجاوز الحالات الطاقة الاستيعابية لأنظمة الرعاية الصحية، قد تتخذ المشافي قرارات مبكراً، لإعطاء الأولوية لبعض الحالات الحرجة، وتحرم غيرها من العلاج، ومن ثم ترتفع معدلات الوفيات جراء «كورونا» بين المرضى الذين لم تُشخّص حالاتهم. ثمة عوامل أخرى تسهم في ارتفاع عدد الوفيات بشدة في بلد دون الآخر، منها التركيب العمري للسكان. كما قد تسهم الحالة الصحية للمواطنين أيضا في ارتفاع أعداد الوفيات، ولا سيما في حالة انتشار أمراض مزمنة بين السكان. قد يكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، معرفة الأعداد الحقيقية للوفيات جراء الإصابة بفيروس «كورونا» المستجد، إذ لا تزال وتيرة إجراء الفحوصات المخبرية بطيئة في كثير من دول العالم.

وربما مع الوقت ستتضح الصورة الكاملة لانتشار الفيروس، بعد أن يراجع الأطباء الملاحظات، ويكشفون عن الأسباب التي أدّت الى وفاة كل مريض كان مصاباً بفيروس «كورونا» المستجد. لكن في الوقت الراهن هذا التحليل الشامل للمعلومات لم يحن أوانه بعد.