IMLebanon

هندسة مالية فاشلة تطيح الـ”هيركات”

كتب جورج شاهين في “الجمهورية”:

أدى الاهتمام بجائحة «كورونا» الى مقاربة الملفات الأخرى بقليل من الاهتمام، وهو ما أوقع البعض في أكثر من منزلق. فالنقاش الذي دار حول حجم «الهير كات» المطروح في الورقة الاقتصادية للحكومة أو في تقرير «لازارد» تسبّب باللغط الحاصل، وهو ما سيسمح للحكومة بالتنصّل من اقتراحها لتلقي التهمة على التقرير. وعليه، هل انّ ما حصل كان نتيجة هندسة حكومية مالية ناجحة أم فاشلة؟

قد يكون من غير المنطقي أن يختلط على البعض ما هو مطروح من عملية “هير كات” واسعة النطاق بين ما تقول به الحكومة في برنامجها الاقتصادي الذي تعدّه من جهة وما اقترحته مؤسسة “لازارد” المالية الدولية. لكن ما هو منطقي انّ هناك مَن أتقنَ نصب “الفخ” بين الكشف عن بعض ما هو مقترح في الورقة الاقتصادية من مخارج وحلول للأزمة المالية في لقاء للاعلاميين الاقتصاديين أعَدّت له السراي تزامناً مع تسريب تقرير “لازارد” لإجراء عملية جس نبض لردّ فعل اللبنانيين تجاه ما هو مطروح من اشكال “الهير كات” والعمليات المالية المشابهة، من أجل معالجة عجز الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها الداخلية والدولية تجاه دائنيها والتعويض عن الخسائر التي مُني بها مصرف لبنان أملاً في تحقيق التوازن المالي المفقود في المالية العامة واعادة رسملة المصارف المهددة بالتعثر.

وبعيداً من منطق المؤامرة، فإنّ الحديث عن إحياء فكرة “الهير كات” رغم طمأنة المراجع المالية والنقدية المعنية ومن رعى تشكيل هذه الحكومة، الى استبعادها على اساس انّ ودائع اللبنانيين خط أحمر، وجب الانطلاق من مشروعين حديثين طرحا الفكرة، وهما:

– الأول تجلّى بما تضمنته الورقة الإقتصادية التي قدمتها الحكومة للصحافيين الاقتصاديين عصر الجمعة الماضي في السراي الحكومي. فقد تجرّأت في مكان ما، وتحديداً في صفحتها الـ19، على التمييز بين 90 % من المودعين الذين لا يمكن المَس بودائعهم ونسبة الـ 10 % التي يمكن البحث في فرض قطع محدّد منها وللاحتفاظ بها أمانة لقاء سندات لإعادة رسملة المصارف ربما او إشراكهم في رأسمال “الصندوق الوطني” المزمع تشكيله، ليجمع املاك الدولة اللبنانية لإدارة المرحلة المقبلة بكتلة نقدية وازنة يمكن ان تشكّل سنداً تعوّض الخسائر التي منيت بها الدولة اللبنانية.

– الثاني تجلى بما تضمنه التقرير الذي أعدّته مؤسسة “لازارد” المستشار المالي للحكومة اللبنانية المكلفة الدفاع عنها في المفاوضات المزمع إجراؤها مع حاملي سندات “اليوروبوندز”، والذي سرّبته جهات رسمية قبل يوم على جلسة مجلس الوزراء، والحديث عمّا تضمنته ورقة الحكومة. فقد اقترح تقرير المؤسسة الذي رفع الى المسؤولين سراً تنفيذ عملية “هير كات” قاسية تتناول 60 % من ودائع 10 % من اللبنانيين هم اصحاب الحسابات المصرفية التي تزيد على 100 ألف دولار اميركي او ما يماثلها من العملات الأجنبية، والذين يمتلكون 90 % من رأسمال المصارف اللبنانية وموجوداتها المسجلة في اجهزة المعلوماتية او على الورق بعد افتقاد ما يفيض عن 70 % منها نقداً. ولم تحدد الورقة المدى الذي يمكن تطبيق هذه العملية فيه كحد أقصى، ما يعني انها ربما ستكون لأجل غير مسمّى والى حين اعادة تكوين المؤونة المالية الكافية لترميم الوضع الاقتصادي والمالي للدولة اللبنانية ومؤسساتها.

ورغم سعي بعض أهل الحكم والحكومة الى نفي التهمة التي ألصقت بها جرّاء اللجوء الى عملية “هير كات” عبر بعض السياسيين والمسؤولين، فقد سعى بعض المراجع الرسمية الى إحالة التهمة بارتكاب “الجريمة الكبرى” في ورقتها الاقتصادية، فحاولت تجييرها الى تقرير مؤسسة “لازارد” رافعة عنها مسؤولية البحث في الفكرة. ولمّا دعا البعض منهم المنتقدين الى إثبات وجود كلمة “هير كات” في ورقتها الاصلاحية، فقد تناسوا او لم ينتبهوا الى مضمون الدردشة التي جرت على هامش جلسة مجلس الوزراء الخميس الماضي بين رئيس الحكومة والصحافيين عندما كرّر القول انّ 90 % من الودائع لن تمس، وهو ما يقود تلقائياً ومن دون ذِكر عبارة “هير كات” الى انّ العملية المحتملة ستطاول الـ 10 % الأخرى منها.

والى هذا التناغم في شكل ورقتي الحكومة و”لازارد” ومضمونهما وتوقيت نشرهما وتسريبهما معاً، فقد ظهر للخبراء الماليين في وضوح توحيد الأرقام في ما بينهما. فالورقتان تحدثتا عن أرقام الخسائر عينها تقريباً وبفوارق ضئيلة. فهما تحدثتا عن تقدير اولي للخسائر في القطاع المصرفي تُقارب 82 او 83 مليار دولار. وان كانت موجودات المصارف وما يمكن ان يؤمّنه مالكوها بما يقارب الـ20 ملياراً منها، فإنّ الخسائر التي يجب جمعها من اصحاب الودائع تتراوح بين 62 و63 ملياراً من الدولارات. ولذلك، أليس غريباً ان تلتقي الورقتان عند القراءة عينها؟ فالأرقام الموحدة لها قراءة واحدة تقود الخبراء الى اكتشاف محاولة اهل الحكم تَعمية اللبنانيين وجَس نبضهم حيال عملية الـ”هيركات” التي تعد الأكثر سهولة لإعادة لملمة خسائرها من دون اللجوء الى خطوات قد تكون أصعب.

فقد كان واضحاً انّ البحث في الـ”هيركات” ومصادرة اموال اللبنانيين الذين وضعوا على جدول واحد بين من تَعب للحصول على ماله ومن سَرق المال العام، لا تجوز قبل استنفاد الوسائل الأخرى التي يمكن ان تستعيد من خلالها المال المهرّب والمنهوب تزامناً مع إقفال أبواب الهدر المفتوحة في مشاريع مجلس الانماء والاعمار والصناديق المشبوهة والكهرباء والطاقة وضبط الحدود ووقف أعمال التهريب والتسرّب الضريبي وإعادة جمع الرسوم المتوجبة على شاغلي الأملاك العمومية قبل البحث في مَس ودائع الناس.

ما يُجمع عليه اللبنانيون، خبراء ومراقبين، يقول انه وفي ظل الإمكانات المحدودة التي تمتلكها الحكومة تبدو انها عاجزة عن القيام بالحد الأدنى مما هو مطلوب منها لحماية الامن الغذائي للبنانيين ولمواجهة ما هو متوقع من استحقاقات مالية واقتصادية تَلي تطويق ازمة “كورونا”. وإن برّر لها البعض الفشل المقدّر من اليوم نتيجة ولادتها في ظروف الحصار الإقتصادي والديبلوماسي والمالي الذي يتعرّض له لبنان، فإنه ليس من السهل السكوت على محاولتها التهرّب من تهمة اللجوء الى الـ”هير كات” في خطة سريعة ظَنّتها عن خطأ انها سهلة لحصاد ما تحتاجه من مال. ولَمّا ظهرت محاولة الربط لتعمية اللبنانيين والمجتمع الدولي بين تقريرها وتقرير “لازارد” تبيّن انها كانت “هندسة مالية فاشلة” وما عليها سوى البحث عن سواها.