IMLebanon

بعد المسار الحكومي.. الخارج يدير ظهره للبنان؟

كتبت راكيل عتيق في “الجمهورية”:

ترى مصادر سياسية أنّ الوجوه الوزارية تبدّلت في حكومة الرئيس حسان دياب، فيما بقيت سياسة «اللف والدوران» والمحاصصة والوعود الوردية بلا أفعال، والتنازع على الجبنة بين أفرقاء الحكومة المتنوعين ضمن «اللون السياسي الواحد». هذا المسار، يراقبه المجتمع الدولي والجهات المانحة والمؤسسات المالية عن كثب. وتشير مصادر مطلعة على المفاوضات والإجتماعات مع الجهات الخارجية، الى أنّ المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، حتى لو كانت جيدة، وحتى لو جرى توحيد الأرقام المالية… إلّا أنّ هذا كلّه لن يعطي أيّ نتيجة بلا إصلاح حقيقي وجدّي وملموس. وتقول: «كذبنا كثيراً على الخارج ولن يصدقونا بعد الآن، إلّا حين يضعون الإصبع على الجرح مثل «توما».

بحسب ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش، هناك عوامل تُضعف موقف لبنان في المناقشات مع صندوق النقد الدولي، وهي: الأرقام المختلفة التي قدّمتها كلّ من الحكومة ومصرف لبنان حول الخسائر، عدم إحراز تقدُّم في التعيينات القضائية وغيرها من التعيينات، والتأخير في إصلاح قطاع الكهرباء.

في الخسائر المالية، حصل اتفاق «شكلي» حول اعتماد الأرقام الواردة في خطة الحكومة في ظلّ اعتراض معنيين ماليين، وفي التعيينات القضائية ردّ رئيس الجمهورية مرسوم التشكيلات ولم يوقّعه، في ظلّ اعتبار جهات عدة أنّ هذا الفعل ضربة لمسار الإصلاحات المُفترض والذي ينتظره الخارج من لبنان. أمّا التعيينات الأخرى فضربت الآلية التي أقرّها مجلس النواب أخيراً بعرض الحائط وتتمّ وفق «آلية المحاصصة» باعتراف مكوّنات وزارية. وإصلاح قطاع الكهرباء يترنّح بين «أولويات المعامل»، ولا كلام عن تعيين هيئة ناظمة للقطاع أو مجلس إدارة لمؤسسة كهرباء لبنان.

كذلك، هناك نحو 54 قانوناً، بعضُ منها مرتبط بالإصلاح الهيكلي المطلوب من الخارج، لم تُطبّق الحكومة الحالية أيّاً منها. ولم تتمكّن، حتى الآن، من الحدّ من الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية ولا من لجم ارتفاع أسعار السلع الإستهلاكية. ولم تتوصّل الى حلّ لأزمة النفايات، ولم تجرِ أيّ خطوة ملموسة في استعادة الأموال المنهوبة أو أقلّه تلك المهرّبة الى الخارج. المصارف ما زالت «تحبس» دولارات المودعين والموظفين، ولا أيّ مساءلة حكومية. ولم تنجح الحكومة حتى الآن في وقف التهريب، ولا بجَلب أيّ مساعدة خارجية مهما كانت قيمتها. وتقف في موقع المتفرّج على إفلاس مؤسسات وشركات وأمام انهيار القطاع التربوي الخاص ومشكلات الجامعة اللبنانية والمستشفيات الخاصة… وما زال التخبّط الوزاري سيّد مجلس الوزراء، من سلعاتا الى التعيينات والمحاصصة الطائفية. فضلاً عن أنّ هذه الحكومة لم تتمكّن من إحداث أيّ خرق في السياسة الخارجية، لتسهيل الانفتاح العربي والغربي على لبنان، إذ إنّ الشق السياسي يشدّد «عزلة» لبنان وعدم نيله أيّ مساعدات للحدّ من الانهيار الاقتصادي، وفي المقابل لم تفتح خطوط خارجية جديدة.

والى الأصوات الداخلية، السياسية والشعبية المُنددة بـ»الفشل الحكومي»، يستمرّ الخارج في التأكيد أن «لا أموال قبل الإصلاحات». وتقول مصادر مشاركة في اجتماعات مالية مع جهات خارجية معنية: «يجب الضرب «عالسخن»، فإذا استمررنا في إدارة الأذن الطرشاء الى الخارج، واخترنا الإصلاحات التي تناسبنا ولا تتعارض مع مصالح المستفيدين، وتجاهلنا الإصلاحات المطلوبة.. فلن ينتظر المجتمع الدولي طويلاً ليدير ظهره للبنان».

وكان السفير المكلف مواكبة تنفيذ قرارات مؤتمر «سيدر» بيار دوكان، أكّد، خلال الاجتماع التنسيقي الأول لمؤتمر «سيدر» الذي عُقد برئاسة دياب في 18 أيار الماضي، أنّ «كلّ تأخير في الاصلاحات ستكون له انعكاسات سلبية جداً على الواقع اللبناني». وطالبَ بـ»دقة أكثر في الجداول الزمنية لتنفيذ الاصلاحات، وأوّلها في قطاع الكهرباء، وبالشفافية والمباشرة في العمل على صعيد مكافحة الفساد والاثراء غير المشروع».

وعلى رغم هذه الوقائع، تؤكد مصادر السرايا الحكومية أنّ مسار المفاوضات بشقّيها مع صندوق النقد الدولي ولتنفيذ مقررات «سيدر» هو إيجابي. وتلفت الى أنّ «الخطة الإصلاحية للحكومة والتي تجري المفاوضات على أساسها تتماهى مع الإصلاحات المطلوبة من «سيدر» والتي لم يُنفّذ أيٌ منها سابقاً، باعتراف الفرنسيين، وأنّ دوكان أكد أنّ هذه الحكومة أخذت خطوات كبيرة في المسار الإصلاحي خصوصاً في الشق المالي الذي يتطلّبه «سيدر» للوصول الى وضع المقررات على طاولة التنفيذ». وتشير الى أنّ «هناك تواصل مستمر مع الفرنسيين، وأنّهم مهتمون بتنفيذ «سيدر».

وتؤكد المصادر: «لقد قطعنا شوطاً كبيراً على خطّ «سيدر»، وانّ الفرنسيين يتابعون الحكومة خطوة بخطوة»، لافتةً الى أنّ «صندوق النقد ما زال مرحّباً بالإطار العام لخطة الحكومة على رغم ملاحظاته على نقاط أو تفاصيل معينة، وأنّ وضع التفاوض مريح».

وعن التخبّط الحكومي حول معامل الكهرباء الثلاثة وتراجع الحكومة عن قرارها، ما زالت المصادر نفسها متمسّكة بأنّ «الحكومة لم تتراجع، وهي بدأت بتنفيذ خطة الكهرباء الإصلاحية التي أقرتها الحكومة السابقة والتزمتها الحكومة الحالية في بيانها الوزاري». وتردّ على الأصوات المنتقدة، وتقول: «مشكلة الكهرباء عُمرها عقود، ويحاسبون الحكومة الحالية التي لم يمرّ من عمرها أكثر من 4 أشهر، فيما ظلّت الحكومات السابقة «تلف وتدور» في موضوع الكهرباء بلا أيّ نتيجة».

وفي ملف التهريب والمعابر غير الشرعية، تقول مصادر السرايا: «اتُخذت قرارات صارمة وفاعلة في هذا الشأن، وتم تفعيل الإدارة الموحدة للحدود في لبنان»، معتبرةً أنّ «هذه الإجراءات ممتازة ولا يمكن القيام بأكثر من هذا».

على خط التشكيلات القضائية، تقول مصادر قريبة من رئيس الجمهورية ميشال عون، إنّ «التشكيلات وصلت الى بعبدا السبت الماضي، وأخذ عون قراراً بشأنها سريعاً وأبدى ملاحظاته على المرسوم وهذا حقّه الدستوري، فأين الخطأ في هذا؟». وتشير الى أنّ إصلاح الكهرباء «ماشي»، مذكرةً بأنّ «ما أخّرَ معالجة مشكلة الكهرباء، كان المُماحكات السياسية التي كانت تعرقل كلّما تم التوصُّل الى حلّ معيّن، لتعود المعالجة الى البداية». وتشير الى تدخّل عون لتوحيد الأرقام المالية للتفاوض مع صندوق النقد، بعد أن «وصلت مراجعات وأصداء للرئيس في هذا الشأن». وتقول: «إذا بادرَ الرئيس الى حلحلة العقد يتّهمونه بالتعدي على صلاحيات الآخرين، وفي الوقت نفسه يتهمونه بالعجز وعدم القيام بشيء».

لكنّ «التخبّط الحكومي» يُحتّم إجراء تعديل وزاري أو تغيير الحكومة بحسب البعض، وعلى رغم «امتعاض» أفرقاء أساسيين في حكومة دياب من أدائها إلّا أنّ تغيير الحكومة، بالنسبة الى داعميها، صعب الآن ويفتح باباً خطيراً على لبنان المترنّح على كلّ المستويات، خصوصاً في ظلّ غياب التوافق على بديل منها. لكن، قد يطرأ أيّ حدث يُرسي هذا التغيير أو يُسقط الحكومة بـ»الضربة القاضية». أمّا الآن، فتقول مصادر مسؤولة معنية إنّ الحديث عن التبديل أو التغيير الوزاري مُقتصر على بعض الأصوات السياسية وعلى كتابات صحافية، ولم يحصل أيّ بحث جدي ومباشر في هذا الأمر في الوقت الحاضر.