IMLebanon

إتّقوا شر من يخوض معركته الأخيرة

كتب مصطفى علوش في “الجمهورية”:

فقُلْ للمُقيمِ على ذُلّهِ

هجيناً يُسخَّرُ أو يُلجَم

تَقَحَّمْ، لُعِنْتَ، أزيزَ الرَّصاص

وَجرِّبْ من الحظّ ما يُقسَم

فإمَّا إلى حيثُ تبدو الحياة

لِعينيْكَ مَكْرُمةً تُغْنَم

وإمَّا إلى جَدَثٍ لم يكُن

ليفضُلَه بيتُكَ المُظلِم

(محمد مهدي الجواهري)

بليغة تلك القصيدة التي أهداها الشاعر العراقي الكبير الجواهري إلى روح أخيه جعفر الشهيد، فهي تعبّر عن كيف يمكن لِمَن تنكمش حظوظه بالظفر أن يستمر إلى النهاية، حتى ولو كان ذلك على حسابه!

هناك دروس لا تمحى من أيام الحرب العالمية الثانية، وما على ذوي الألباب إلا القراءة المفتوحة على التفكير لأخذ العبَر المناسبة حتى لا نستعيد تجربة المأساة بمناسبة أخرى، ظناً منّا أننا أكثر خبرة وحنكة وشجاعة ممّن سبقونا. فليست الخبرة ولا الحنكة ولا الشجاعة هي التي تتحكم بمسار الأمور، بل الحسابات الدقيقة، حتى وإن دخلت فيها الاحتمالات والنسَب. ولو عدنا الى التاريخ القديم المكتوب بيَد من لهم مصلحة، لرأينا أنّ الأساطير تغلب على المنطق في السرد، عن فئة قليلة غلبة كثرة، من دون معرفة لا العدد الحقيقي ولا الوسائل ولا الظروف، إلا بمنظار من يكتبها. لكن ما لنا ولكل ذلك، فما هو مؤكد هو أنه لا الخبرة في الحروب ولا الشجاعة في ساحات الوغى ولا الحنكة في إدارة الأمور كانت تنقص ألمانيا عشيّة الحرب العالمية الثانية يوم قررت القيادة الملهمة خوض غمار تجربة الحرب الصاعقة لإخضاع أوروبا والعالم. لم يكن أدولف هتلر مجنوناً كلاسيكياً، كما حاولت أن تُظهره وسائل الدعاية للمنتصرين، وبالأخَصّ ما هو مرتبط بالصهيونية، لكنه ككل قادة الحروب في تاريخ البشر يحمل في جيناته الوراثية لوثة العظمة وشهوة الانتصار لدرجة تتخطى البعد الانساني. لكنه لم يكن وحده المشارك في هذه الحلقة الجهنمية، فمحكمة نورمبرغ حكمت على 5 آلاف نازي ومتعاون بالإعدام، كما أقصَت عشرات الالوف من النخَب الثقافية والعلمية عن مواقعها تحت شعار تصفية النازية. يعني أنّ قرارات هتلر لم تكن فردية كفوهرر، بل كانت تستند إلى دعم جامح من أكثرية النخَب في ألمانيا، وحتى خارج ألمانيا ضمن الشتات الجرماني في أوروبا، ومن هم غير جرمانيين ألهمتهم النازية في دول وبقاع شتى في الأرض، من طرابلس لبنان حيث كانوا يسمّونه «الحاج محمد هتلر»، إلى الولايات المتحدة الأميركية وانكلترا.

لكن بالعودة إلى مسار تلك الحرب، فلو قام مَن هم مع هتلر بجردة منطقية للحسابات قبل المباشرة في المغامرة الكارثية، لكان من الواضح أنّ المشروع الطموح لابتلاع العالم غير قابل للحياة، بمجرد حساب موازين القوى الاقتصادية والاستراتيجية مع بقية الدول المستهدفة. لكن روح المغامرة عند النازيين كانت مستندة الى ضعف الآخرين وتفرّقهم، كما أنّ النجاحات الباهرة التي سبقت الحرب بضَم النمسا واجتياح تشيكوسلوفاكيا، شجّعت النازية على خوض التجربة إلى النهاية. ومَن شاهد منظر الفوهرر يرقص فرحاً يوم احتلال باريس واستعراض الجنود الألمان في الشانزليزيه فيما كانت دموع الفرنسيين تنهمر حزناً وذلاً، يفهم كيف تحولت أوهام رسام نمساوي من الدرجة الثالثة، ورتيب عادي في الحرب العالمية الأولى متطوّع في الجيش الإمبراطوري، ومفكر غارق في الأساطير، إلى حقيقة راسخة دفعته الى طلب المزيد. والمزيد هنا كان محاولة تركيع بريطانيا، ومن ثم مغامرة «بربروسا» القاتلة في الاتحاد السوفياتي.

في استطلاع بسيط، يمكن فهم أنّ هتلر خسر الحرب بعد أن فشلت جيوشه في احتلال ستالينغراد. أي قبل أكثر من سنتين على انتهاء الحرب، ولو كان العقل يحكم بدلاً من الأوهام، لكان في الإمكان توقيع صكوك سلام مع الدول الأخرى، ومع الغرب بالتحديد، تشبه الاستسلام، لكن بشروط أفضل بآلاف المرات ممّا حدث لاحقاً. لكنّ الأهم كان تفادي المجذرة البشرية المضاعفة على طرفي النزاع، فقد سقط نحو 30 مليوناً من الضحايا في النصف الثاني من الحرب، أي لمجرد العناد في الاستمرار في القتال على رغم من حتمية الهزيمة. لكنه، ككل المغامرين، فقد كان هتلر، وربما بعض مَن معه، ينتظرون معجزة ما، أو أن يتراجع الخصوم أمام هول خسائرهم ويوقفوا الحرب، أو أن مبدأ «أنا الغريق وما خوفي من البَلل» هو الحاكم. لكنّ الخصوم كانوا من جنس قادة النازيين نفسه، فاستمرت المجزرة…

ماذا يعني كل ذلك الكلام؟ العبرة هي أنّ معظم المأخوذين بلوثة العظمة، غير قادرين على التراجع حتى وإن نفدت حظوظهم، ومعظمهم يراهنون على أنّ شعور رؤوسهم ستنبت كما حصل لشمشون في عز انكساره، فهدم الهيكل عليه وعلى أعدائه!

المعركة التي يخوضها اليوم أطراف السلطة، ومن هم غير السلطة في لبنان، تشبه إلى حد كبير رهانات هتلر وجماعته بعد فشل عملية بربروسا، أي عند الانسحاب العشوائي إلى ألمانيا. فمع عِلم الجميع أنّ الاستمرار في المواجهة يعني دمار الهيكل، لكنّ الإشكال القاتل هو أنّ الجميع، كهتلر، يخوضون معركة الحياة أو الموت، قائلين «عليّ وعلى أعدائي». من هنا، فإنّ المواطن هو مَن عليه انتظار المعجزة ليس لرد القضاء بل أملاً في اللطف فيه.