IMLebanon

بشير الجميل… أسطورة القوة تستعاد في زمن الفشل

كثيرة هي الأسماء التي تجبر تيار التاريخ الجارف الهادر على التوقف عندها والاضاءة على التجربة الفريدة والبصمة التي تتركها في حياة الأوطان والشعوب… حتى أن بعضها يتحول في ذاته مرادفا للقوة… فيما يرفع آخرون شعارها بينما هم في بحث مستمر- وعقيم حتى اللحظة- عنها.

توصيف كهذا يقود بالتأكيد إلى استحضار صورة الرئيس القوي الذي كانه الشهيد بشير الجميل في ذكرى انتخابه قبل 38 عاما من اليوم، وذلك في سياق مسار الحرب اللبنانية التي كرّسته قائدا مسيحيا استثنائيا في الميدان، كما في السياسة، وهو ما تيقن منه الرجل ليقدم على خوض المنازلة الرئاسية في إطار ترشيح “ليس للمناورة ولا للتراجع عنه”، كما قال في تموز 1982، محاطا بملاكه الحارس، القيادي الكتائبي العتيق جوزف أبو خليل. على أن الأخير، الذي رافق البطل الشاب في كل مراحل صعود نجمه الاستثنائي في الفضاء السياسي لم يكن وحيدا في ذلك. حيث أن العارفين بكواليس تلك المرحلة السياسية الدقيقة يؤكدون أن بشير أحاط نفسه بعدد من المستشارين والاختصاصيين في مختلف شؤون الحياة، ما قاده إلى تقديم المنطقة الشرقية (ذات الغالبية المسيحية الساحقة) نموذجا للجمهورية القوية التي حلم بها وبإرسائها في وطن شلّعته حروب الآخرين، إلى حد دفع الناس إلى حمل السلاح دفاعا عن الوجود والكيان… بقيادة بشير القائد الذي نجح في توحيد ما سمي آنذاك “البندقية المسيحية” تحت راية القوات اللبنانية…

على أي حال، وفي دلالة إلى مدى اهتمام بشير بأصغر تفاصيل حياة الناس وراحتهم في “جمهورية العام 2000 التي كان يريد نقل البلاد إليها بدلا من الاستمرار في ترقيع جمهورية الـ 1943، يروى أن بشير المتيقن من أن حلمه الرئاسي بات على وشك التحوّل إلى حقيقة، كلف عددا من الشبان بإعداد مخطط توجيهي للعاصمة التي كان يريد مدها بشبكة للنقل المشترك (لا تزال سرابا فيما تبرز الحاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى في زمن الذل عند محطات الوقود). وتقول الحكاية أن المرشح الرئاسي أعجب بالمخطط لكنه تنبه إلى أن القيمين عليه لم يلحظوا ممرات آمنة لطلاب المدارس.

كان هذا قبل انتخاب القائد العسكري ذي الكاريزما التي لا تحتاج شرحا ولا تفسيرا ولا تأكيدا. إلا أن الأهم يبقى في ما بعد تحقق الحلم الرئاسي البشيري في لحظة نادرة خاطفة ابتسم فيها القدر لـ لبنان الـ 10452 كلم مربعا في ثلاثة أسابيع، بدت فسحة أمل في نفق الاحتراب المظلم. وإذا كانت شهادة الأقربين مجروحة بطبيعة الحال، فإن الموضوعية في هذا المضمار تتجلى في كلام قاله النائب جميل السيد في بشير… الرئيس القوي… من غير كرسي. ففي إحدى الحلقات التلفزيونية، اعترف اللواء السيد، صاحب الخلاف العقائدي مع الجميل (ذي الخلفية الكتائبية المسيحية) بأنه الرئيس الذي عرف كيف يدير شؤون البلاد “متل الساعة”. وباللغة العامية قال اللواء السيد: “ببلد متل لبنان بدك رئيس ما بيعرف إلا ربو… بإيام بشير كنت رئيس مخابرات البقاع (في الجيش)، وكان الجميع يحضرون إلى عملهم منذ السابعة صباحا”.

وفي ذلك دليل قاطع إلى أن أجهزة الدولة الأمنية عملت فعلا “متل الساعة”، لا لشيء إلا لأن هذه هي قوة بشير، الرئيس الآتي إلى الرئاسة على صهوة جواد رصيده العسكري والسياسي، وإن كان البعض يعتبر خياراته مثيرة للجدل، خصوصا لجهة العلاقة مع اسرائيل في مواجهة الوجود الفلسطيني المسلّح، الذي لا يزال لبنان وهيبة دولته يعانيان الأمرين جراءه فيما لا يزال حل الصراع العربي الاسرائيلي بعيد المنال، مع العلم أن دولا عربية عدة ركبت قطار التطبيع مع الكيان العبري تماشيا مع المنحى الدولي الذي توقعه الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، ناصحا العالم العربي بالاقتناع بأن زوال اسرائيل ضرب من الخيال، فكيلت له الاتهامات بالعمالة…

على أي حال، فإن الدائرة اللصيقة ببشير لا تزال مقتنعة بأن تلك المرحلة فرضت خيار الذهاب إلى اسرائيل في رحلة ليلية رفض جوزف أبو خليل الغوص في تفاصيلها في إحدى إطلالاته الاعلامية النادرة، مكتفيا بتأكيد أن بشير رفض توقيع اتفاق السلام مع اسرائيل، وعبر عن ذلك صراحة في اجتماع نهاريا الناري الشهير، وهو موقف قد يكون كلفه حياته التي لم يتوان عن تقديمها على مذبح لبنان… الباحث دوما عن شخص بصفات بشير وقوته… من غير جدوى.

على أن الغياب في حال رجل بهذه الهالة ليس إلا مزيدا من الحضور والاستحضار الدائمين. فالتاريخ سيذكر بالتأكيد أن كل هذه الروايات عن “بشير الحلم” تأتي لتعطي أمثولة للقادة والرؤساء وأصحاب الشعارات الرنانة الكبيرة: القوة لا تكون بالبطش في زمن السلم.. على الأقل. في الحكم.. القوة حكمة واستشراف وانفتاح… القوة تكمن في مد اليد إلى الخصم اللدود والخروج من عباءات الطائفية والحقوق والانتماءات الحزبية الضيقة، وهي حال بشير الذي مد جسور التواصل مع الزعيم السني صائب سلام في زمن الطائفية البغيضة. وهو أيضا الزعيم الكتائبي الذي ما إن انتخب رئيسا حتى زار البيت المركزي الكتائبي وأوعز إلى قيادات الحزب بالاستعداد لتسليم السلاح وتنظيم الصفوف لأن “صار في دولة هلق”.

وهكذا، حرص الرئيس الشاب على ألا يكون الكتائب “حزب الرئيس”. لكن الأهم يبقى في أن زمن بشير الذي لم يحتج إلى الصلاحيات ولا إلى قسم اليمين الدستورية كان زمن الهناء والأمان والبطون التي لا تعرف الجوع… زمن لم يكن من المفترض أن نعود إلى ما قبله لو أن الحلم استكمل وقادنا إلى الوطن القوي… لكن الكلمة الأزلى تبقى دوما لقدر.. يصر على صفعنا…