IMLebanon

تسهيلات جنبلاط الحكومية ليست “تَرفّعًا”

كتبت راكيل عتيق في “الجمهورية”:

ترى أوساط سياسية أنّ الولادة الحكومية متعذّرة، بسبب السقوف العالية للفريقين المَعنيّين بالتأليف، أي فريق العهد الذي يتحدّث باسم المسيحيين أو باسم فريق سلطوي، ويُقابِله فريق نادي رؤساء الحكومات السابقين الذي يتمسّك بـ»اتفاق الطائف» والصلاحيات، وإذا لم يتنازل الفريقان «رح يروح البلد». وتعتبر أنّ حسابات الأفرقاء أبعد من «حكومة مهمة»، بل إنّ الحكومة العتيدة هي «الحُكم» إذا حصل فراغ ولم تُجرَ الانتخابات النيابية، لذلك تتمحور الحسابات والخلافات على الثلث المعطّل والوزارات الأساسية والخدماتية.

وسط هذه الدائرة المُفرغة حكومياً منذ أكثر من سنة، يقدّم رئيس حزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط التنازلات، متمسّكاً بدعوة الجميع الى تسوية سياسية، فلبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا الجُنوح الى الفوضى وإمّا حكومة تضع حداً للانهيار. وكلّ ما عدا ذلك من طروحات، من الانتخابات النيابية المبكرة الى إسقاط رئيس الجمهورية، لا تعدو كونها مجرّد شعارات غير قابلة للتحقّق، بالنسبة الى الزعيم الدرزي.

يعتبر الحزب الاشتراكي أنّ الحكومة ليست الحلّ، بل إنّها توقِف الانهيار الكامل وتشكّل موقع اتخاذ الاجراءات السريعة الانقاذية والتفاوض مع الخارج، وهي لن تشيل «الزير من البير» في وقت قصير، لكن في النتيجة انّ البلد أمام خيارين: إمّا ان يستمرّ الوضع في التدحرج نحو الفوضى الكاملة، وإمّا بالحد الأدنى تجميد الانهيار عبر حكومة الى حين حلول موعد الانتخابات النيابية وإعادة إنتاج السلطة، وعندها يكون لكلّ حادث حديث.

إنطلاقاً من ذلك، وفي ظلّ الحديث عن مطالب وزارية لجنبلاط، تقول مصادر الاشتراكي «إنّ الذي يدعو الى تسوية لا يُطالب بوزارات»، مذكّرةً بأنّ جنبلاط كان أوّل مَن دعا الى التسوية وقدّم التنازلات، وزار رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وطرحَ حكومة الـ24 وزيراً، وتنازل عن احتكار التمثيل الدرزي. وبالتالي، إنّ الذي يقوم بكلّ ذلك لا يطالب بحقيبة وزارية. وتجزم هذه المصادر أنّ الحزب أبلغَ الى الرئيس المكلف نجيب ميقاتي أن ليس لديه مطالب وزارية، وتقول: «الرئيس ميقاتي مضطرّ، بحسب التوزيع الطائفي، الى أن يوزّع الحقائب الوزارية على الطوائف، لكن ليس لدينا أي مرشح ولا وزارات مطلوبة، بل ما يهمّنا أن تحصل سريعاً تسوية سياسية وتأليف حكومة تتخذ قليلاً من الاجراءات الانقاذية في بعض القطاعات، لا سيما منها المال والنقد والكهرباء، وأن تفاوض صندوق النقد الدولي وتنفتح على عمقنا العربي وتجري الانتخابات النيابية». وترى أنّ «المشكلة تكمن في أنّ هناك أفرقاء يحمّلون الحكومة كلّ التغيّرات الاقليمية والدولية وقطاع النفط والغاز في المنطقة وتَوريث السلطة والاحجام السياسية بعد الانتخابات، فيما أنّ الوضع لا يَحتمِل ذلك والحكومة لا تتحمّل كلّ هذه الأوزان الكبيرة، بل عليها أن توقِف الانهيار فقط».

وتؤكد مصادر «الاشتراكي» أن «ليس لدينا أي وزارة بالمباشر، بل إنّ الرئيس ميقاتي قد يختار وزيراً قريباً منّا يكون اختصاصياً ووفق المعايير المطلوبة، لكننا لا نطلب أي وزارة أو متمسِّكين بأي وزير، وهذا ليس ترفّعاً، فنحن حزب سياسي لديه مطالب وأهداف، لكن تَحسُّساً بأنّ المرحلة وخطورة الوضع في لبنان وحجم الانهيار أكبر بكثير من كلّ هذه التفاصيل الصغيرة. والأولوية الآن ليست للحصص والمطالب بل لإنقاذ البلد».

أمّا في حال اعتذر ميقاتي، فهذا يعني، بحسب «الاشتراكي»، أنّه في مكانٍ ما اتُخِذ قرار الابقاء على حكومة تصريف الأعمال حتى نهاية العهد. وتعتبر مصادره أن لا خيار غير إجراء الانتخابات النيابية، رافضةً أي حديث عن تأجيلها، مشيرةً الى أنّ «هناك محاولات لعدم إجراء أي تعديل على قانون الانتخابات الحالي، ولا حول ولا قوة، على رغم أنّ هذا القانون متخلّف وغرائزي، لكن عدم إجراء الانتخابات سيكون جريمة في حق البلد وبحق الناس الذين نزلوا الى الشارع، بصرف النظر عن أي اتجاه ذهب البعض منهم إليه وبأي أجندة يعمل، لكن هناك جمهوراً واسعاً يجب أن نحترمه ونحترم إرادته، وهو طالبَ بتغيير السلطة، ويجب أن يُعطى هذا الشارع بتِنوُّعه مجالاً لأن يدخل الى السلطة ويتمثّل».

وتُقرّ المصادر نفسها في أنه بات هناك صوتاً ضد الأحزاب السياسية كلّها، وتقول: «جميعنا في حاجة الى أن يكون الصوت الذي سمعناه في الشارع موجوداً في السلطة، وأيّ من الأحزاب لا يمكنه القول إنّه «مرتاح على وضعه»، ومن المهم جداً أن تكون هناك أصوات خارج الأحزاب السياسية التقليدية، أمّا حجم هذا الصوت في مجلس النواب فيقرّره الناس، وإلّا لن يكون هناك جو ديموقراطي وتصويب وإصلاح وتجديد في الحياة السياسية». وعلى رغم تشديد «الاشتراكي» على ضرورة إجراء الانتخابات النيابية، فإنه لم يبدأ العمل الفعلي على الانتخابات بعد، وتقول مصادره: «لدينا الهاجس الصحي ـ الاجتماعي – الاقتصادي الضاغط».

على هذا الصعيد، تعتبر المصادر أنه على مستوى أزمة الدواء والاستشفاء، على سبيل المثال، لا يُمكن لأي وزير، ومهما اجتهد، أن يعالج هذه الأزمة، بل انّ المعالجة تتطلّب خطة طوارئ دقيقة وصحيحة تأخذ في الاعتبار الامكانات المتوافرة وحاجات الناس، وان خطة كهذه تستدعي تأليف حكومة. وتقول: «لذلك، نريد حكومة ونصرّ على تأليفها، فالدواء والاستشفاء والنقد والاقتصاد… كلّ من هذه الأزمات تتطلّب حكومة تضع رؤية شاملة، والرؤية الاقتصادية ـ النقدية ـ المالية ـ الاجتماعية تبدأ من فوق وليس من الأسفل. إنّ الناس يعانون ويطالبون بحلّ أزمة المحروقات أو الدواء أو الخبز… وكلّ مواطن يريد حلاً لمشكلة… لكنّ الحلول المُجَزّأة والبسيطة لا تنفع، والرؤية والخطة تبدأ من فوق ومن حكومة، وإلّا ستتفاقم الأزمة أكثر».