IMLebanon

“الحزب” متوجّس من الانتخابات… فهل يطيح بنتائجها؟

الكلام المتزايد في بيروت عن إمكان إلغاء الانتخابات النيابية أصبح أكثر جدية من أي وقت، وهو بدا غير مستغرَب قياساً إلى التجارب السابقة في إلغاء الاستحقاق الانتخابي أكثر من مرة، والاستعاضة عنه بالتمديد للبرلمان.

لكل طرفٍ سياسي يرغب في التأجيل أسباب مختلفة، رغم أن كل القوى السياسية تتحدّث بإسهابٍ وبتأكيداتٍ ظاهرية عن ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها ربيع 2022.

لكن الحقيقة تبدو في مكان آخَر، إذ ثمة مؤشراتٌ تدلّ على احتمال حصول تواطؤ يفضي إلى تطييرها. فرغم ما يقوله «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» عن ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها، قدّم الطرف الأول طعناً بمواد في قانون الانتخاب، ما قد يطيح بالاستحقاق، فيما الثاني يتحدث عن الضغوط الخارجية التي تُمارَس لتوحيد المعارضة. وفي حين تبدو مخاوف «التيار الحرّ» أكثر وضوحاً تجاه الانتخابات، خشية تَقَلُّص عدد مقاعد كتلته النيابية، لا يخشى «حزب الله» على مقاعده أو حصته الخاصة وكحلفاء في «الثنائي الشيعي». لكن رغم ذلك فإن مخاوف الحزب تَظهر كل يوم أكثر وأكثر، من خلال تصريحات كبار مسؤوليه.

في انتخابات عامي 2005 و2009، حققت قوى «14 آذار»، فوزاً ساحقاً على قوى «8 آذار»، وكان الفوز في استحقاق 2009 أكثر أهمية ودلالة، بسبب تداعيات ما عُرف بـ «7 مايو 2008»، أي العملية العسكرية لـ «حزب الله» ضد بيروت وبعض الجبل، ومفاعيل المواجهات الداخلية التي احتدمت في ضوء الانقسامات الحادة وقيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للنظر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن نتائج الانتخابات لم تُترجم عملياً لدى تشكيل الحكومة وسط الكلام الذي جرى التعبير عنه يومها لجهة أن لبنان لا يُحكم إلا بحكومات وحدة وطنية، ولا يمكن أن يُدار من فريق واحد أو على قاعدة الغالبية والأقلية.

رغم ان فريق 8 آذار نفسه عاد وارتدّ على هذا «المعيار» في 2011 عندما نفّذ انقلاباً على حكومة الرئيس سعد الحريري وشكّل حكومة اللون الواحد برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي.

منذ أسابيع قليلة، عاد الحديث من جانب «حزب الله» عن موضوع الغالبية البرلمانية ليُترجِمَ قلقاً من الانتخابات النيابية في ضوء عوامل مختلفة. فالحزب لا يخشى على حصته النيابية، ولا على حصة شريكه الرئيس نبيه بري، بل ما يخشاه هو فقدان الأكثرية التي تَشَكَّلَتْ في أعقاب انتخابات 2018، وضمنت تحالفات الحزب وحركة «أمل» و«التيار الحر» و«تيار المردة» والحزب السوري القومي الاجتماعي والطاشناق والحزب الديموقراطي ومجموعات من النواب من اتجاهات سياسية مختلفة. وقد شكل هؤلاء رافعةً لمحورٍ واحد ترجم اتفاقه السياسي في المجلس النيابي وداخل مجلس الوزراء، سواء مع الرئيس سعد الحريري أو في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية وهي حكومة تعكس غلبةً لتحالف «التيار الحر» و«حزب الله»، وإن كان ميقاتي يرفض أن تُصبغ بهذه الصبغة.

في أكثر من مناسبة أخيرة، كرّر مسؤولو «حزب الله»، من نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إلى النائب محمد رعد والوزير السابق محمد فنيش، كلاماً يتعلق بالانتخابات. الشيخ قاسم الذي انتقد من ضمن انتقاداته معارضي الحزب من المجتمع المدني، قال عن الانتخابات «أميركا تعتبرها انتخابات ‏مصيرية، وبعض مَن في الداخل مِن الذين يسيرون على المنهج السعودي يعتبرون أيضاً ‏أنها معركة مصيرية، لماذا؟ يعتبرون أنها معركة الأكثرية النيابية، لأن باعتقادهم أن ‏الأكثرية النيابية هي الأكثرية السياسية التي تغيّر المسار السياسي وتؤثر على المقاومة ‏ومشروعها». أما فنيش فقال: «إن البعض في لبنان يريد هذا الاستحقاق من أجل تغيير موقع البلد، وتعديل موازين القوى، وضرب التحالفات التي نجح حزب الله مع حلفائه بنسجها، والتي شكّلت الأمان للبنان وحققت الاستقرار والسلم الداخلي».

هذه المواقف المتتالية إن دلّتْ على شيء، فعلى أن ثمة مخاوف يعبّر عنها مسؤولو «حزب الله» من تجميع المعارضة أوراقها، وهنا المقصود في شكل أكثر وضوحاً، القوى المسيحية والمجتمع المدني، بسبب مجموعة عوامل مؤثرة، ما سيترك انعكاساً واضحاً على حلفائه المسيحيين. فمن الواضح أن المجتمعَيْن الغربي والعربي يضغطان في شكل كبير على ائتلاف المعارضة من أجل خوض الانتخابات في تحالفاتٍ وإن لم يكن في جبهة موحدة.

ورغم أن هذا الأمر دونه صعوبات وخصوصاً بالنسبة إلى وضع «تيار المستقبل» غير المحسوم بعد، ورفْض المجتمع المدني التحالف مع بعض الأحزاب، إلا أن بدء تحضير أرضية سياسية لخوض الانتخابات في وجه «التيار الحر» و«حزب الله» وحلفائهما ينذر بتداعيات غير حميدة على الطرفين.

ففي جبيل مثلاً، بدأ النائب السابق فارس سعيد حملة سياسية تدعو كل الأحزاب لمنْع انتخاب نائب عن «حزب الله» للمقعد الشيعي في المنطقة. علماً ان انتخابات عام 2018 شهدت سقوط مرشح الحزب وفوز النائب الراحل مصطفى الحسيني. وكانت ظهرت بوادر القلق الأولى من خلال عملية تسجيل المغتربين للاقتراع، وارتفاع أعدادهم وخصوصاً المسيحيين منهم، في دوائر حساسة، تثير القلق الإضافي من تبعات هذا الاقتراع المرتقب، إلا في حال طعن المجلس الدستوري بهذا البند.

ويتحدّث الطرفان (التيار الحر وحزب الله) في الوقت ذاته عن عملياتِ تمويلٍ خارجية للمجتمع المدني وبعض الأحزاب المُعارضة لخوض الانتخابات ما يساعد في تزكية المخاوف من التوازنات المحتملة في البرلمان الجديد. وهذا الأمر يستبقه «حزب الله» بالقول على لسان رئيس كتلة نوابه محمد رعد «لا تراهنوا على أكثرية عددية. لبنان تَوافَقَ أبناؤه على تسوية سياسية قوامها الديموقراطية التوافقية، فالذي يريد أن يحكمنا غداً بأكثرية عليه أن يُدرك أن الأكثرية التي حكمت لم تستطع أن تحكم»، الأمر الذي يطرح معادلةً جديدةً تلغي سلفاً نتائج الإنتخابات، لجهة نتيجتها المباشرة في تشكيل الحكومة ولاحقاً في انتخابات رئاسة الجمهورية.

لكن كل ذلك يمكن استباقه بإمكان تأجيل الإنتخابات الذي تزداد احتمالاته كل يوم، لأن مخاطر الرهان على تغيير معادلات سياسية وفق نتائج الإنتخابات صار أكثر حراجة من قبل، بعد حوادث الطيونة وقبلها خلدة وشويا. علماً ان رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع كرر أخيراً ما سبق ان قاله عام 2019 من أنه «في حال فوز الأكثرية يُفترض أن تحكم الأكثرية».

ورغم ان التسويات في لبنان غالباً ما تكون هي الغالب وهذا ما حصل في انتخابات 2005 و2009، إلا أن حدة الإنقسامات الحالية وإقتراب موعد إنتخابات رئاسة الجمهورية يجعل من المتعذر قيام تسوية سياسية إلا بغطاء دولي كبير. وإلى ذلك الوقت يصبح احتمال إلغاء الانتخابات أكثر رجحاناً.