IMLebanon

الوساطة الأميركية تصطدم بتبادل الشروط بين “الحزب” وإسرائيل

كتب محمد شقير في “الشرق الأوسط”:

تأتي زحمة الموفدين الأوروبيين إلى لبنان في سياق تقطيع الوقت الذي لن يؤدي لإخراجه من أزماته التي أضيف إليها ارتفاع منسوب المواجهة العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله» على امتداد الجبهة الشمالية في جنوب لبنان، في رد صاروخي أولي على اغتيال الرجل الثاني في حركة «حماس» صالح العاروري في عمق الضاحية الجنوبية لبيروت الخاضعة لسيطرته، ما شكّل، من وجهة نظره، تجاوز تل أبيب لقواعد الاشتباك وللمرة الأولى منذ حرب تموز تموز 2006 اضطرته للتعامل معها بالمثل.

ورغم أن الرد الأولي لـ«حزب الله» استبق اللقاءات التي عقدها الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية والسياسية جوزيب بوريل مع كبار المسؤولين اللبنانيين الرسميين، فإن مباحثاته تبقى محصورة ببرنامج المساعدات الأوروبية للبنان، وبمنع انزلاقه نحو توسعة الحرب، وإن كان لا شيء يمنع، كما يقول مصدر سياسي لـ«الشرق الأوسط»، من تطرقه للقضايا الساخنة وأبرزها انتخاب رئيس للجمهورية وتذليل العقبات التي تعترض تطبيق القرار 1701 الذي ربط الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله التفاوض حوله، بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.

ويسأل المصدر عن السر الذي يكمن وراء استبعاد الجهات الرسمية، أكانت حكومية أو نيابية، جنوح لبنان نحو توسعة الحرب، وما إذا كان لديها ما يُطمئنها بتحميل إسرائيل مسؤولية حيال استدراجه إلى حرب مفتوحة.

كما يسأل ما إذا كان للولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي دور في طمأنة لبنان بأن الوضع في الجنوب سيبقى تحت السيطرة بضمانات إسرائيلية تتقاطع مع تلك التي تبلّغها لبنان رسمياً من قيادة «حزب الله» بتواصل الرئيس ميقاتي والمعاون السياسي لأمينه العام حسين خليل.

ويلفت المصدر إلى أن كلمة الفصل في هذا الخصوص تبقى للميدان، ويسأل: هل تتعامل إسرائيل بنفس المنسوب الصاروخي لرد «حزب الله» على اغتيالها للعاروري بخرقه لقواعد الاشتباك لتأكيد هيبته بمنع إسرائيل من تكرار تجاوزها للخطوط الحمر؟

ويؤكد المصدر نفسه أنه لم يفاجأ بعدم مجيء الوسيط الأميركي آموس هوكستاين إلى بيروت استكمالاً لمهمته التي بدأها في تل أبيب سعياً وراء خلق الظروف الأمنية والسياسية المواتية لتحديد الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل، على قاعدة تطبيق القرار 1701، ويقول إنه لا يرى من جدوى لمجيئه على الأقل في المدى المنظور، ما دامت إسرائيل تشترط انسحاب «حزب الله» من جنوب الليطاني إلى شماله، وتلويح حكومتها بتضاؤل حظوظ الحلول الدبلوماسية، في مقابل رفض «حزب الله» الرضوخ لشروطها، وربطه بدء التفاوض لتحديد الحدود البرية بوقف عدوانها على غزة، فيما تنأى الحكومة اللبنانية بنفسها عن التدخل لقطع الطريق على من يتهمها بأنها تترك للحزب الإمساك بقرار السلم والحرب، وهذا يلقى اعتراضاً في الداخل تقوده المعارضة، ويتسبب للحكومة بالإحراج على الصعيدين الإقليمي والدولي، باعتبار أنها معنية مباشرة بالملف الحدودي.

ويرى أن على الحكومة أن تبادر وتقول ماذا تريد، وتعرض وجهة نظرها حول تطبيق القرار 1701، وعدم حصر التفاوض بـ«حزب الله»، ويقول إنه لا اعتراض على تحرك الرئيس ميقاتي بحثاً عن تأمين شبكة أمان أممية للبنان لمنع إسرائيل من توسعة الحرب، والتفاتها لاحقاً عندما تحين لها الفرص إلى تهديد الجبهة الشمالية للاقتصاص من «حزب الله» على مساندته لـ«حماس».

ويضيف أن هناك ضرورة للتنسيق اليومي بين الحزب والحكومة لتكون على بيّنة، وهي تطلب من المجتمع الدولي التدخُّل لوقف الاعتداءات الإسرائيلية التزاماً منها بتطبيق القرار 1701 بحرفيته، من دون إدخال أي تعديل عليه، خصوصاً أن الظروف الدولية التي كانت وراء إصداره لم تعد قائمة.

لذلك ارتأى الوسيط الأميركي بأن يمضي، وربما في روما كما يقال، إجازة «قسرية»، ليست بسبب عدم وصول السفيرة الأميركية الجديدة لدى لبنان ليزا جونسون إلى بيروت، وإنما لانسداد الأفق أمام تفعيل وساطته لتحديد الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل.

هذا على صعيد المهمة التي انبرى لها الوسيط الأميركي الذي ينتظر ربما بأن يأتيه الترياق ليعاود وساطته من الزيارة الخامسة المرتقبة لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى تل أبيب في إطار جولته على عدد من دول المنطقة، أما بالنسبة للعودة المرتقبة للموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت، كما تعهد في ختام زيارته الأخيرة، فإن موعدها لم يحدد، رغم أن السفير الفرنسي لدى لبنان هرفيه ماغروا كان لمح في جولته على القيادات اللبنانية بأنه يعتزم العودة هذا الشهر.

لكن لودريان لم يحدد متى سيعود؛ لأن عودته مرتبطة بمروحة من الاتصالات سيجريها بالدول الأعضاء في اللجنة الخماسية التي تضم، إضافة إلى فرنسا، الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن لودريان لن يحمل أي جديد في زيارته الخامسة لبيروت يمكن التعويل عليه لتغليب الخيار الرئاسي الثالث على الخيارات الأخرى، انطلاقاً من قناعته بأن لا خيار بديلاً لإخراج انتخاب رئيس الجمهورية من التأزم الذي يقف وراء الدوران في حلقة مفرغة.

وحسب المعلومات، فإن لودريان سيعود فور انتهائه من مشاوراته مع ممثلي الدول الأعضاء في اللجنة الخماسية، لكنه لن يدخل في لعبة الأسماء بسؤاله عن هذا المرشح أو ذاك، على حد قول السفير الفرنسي للذين التقاهم هذا الأسبوع، وإنما سيركز بالتنسيق مع اللجنة الخماسية على المواصفات التي يجب أن يتمتع بها الرئيس العتيد، والأولويات الرئاسية لإنقاذ لبنان من أزمته.

ولن يدخل لودريان بالأسماء، ويبقى متمسكاً بالخيار الثالث للرئاسة بالنظر إلى أنه لا حظوظ للمرشحَيْن المتنافسَيْن حالياً، رئيس تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، والوزير السابق جهاد أزعور في انتخاب أحدهما رئيساً نظراً لعدم قدرته في الحصول على الرقم النيابي الذي يوصله إلى سدة الرئاسة.

ويبقى السؤال: هل يعاود لودريان تحركه بغطاء سياسي لا غبار عليه من الخماسية؟ أم أن ما يعيق المبادرة الفرنسية يكمن في عدم حصول باريس على ضوء أخضر أميركي، بذريعة أن واشنطن قررت الدخول مباشرة على الملف الرئاسي؟ ما يدفعه لإعداد «دفتر شروط» لمواصفات الرئيس.