IMLebanon

“شرطة المجلس”: جهاز أمني أم “بوليس سياسي”؟

كتب طوني عطية في “نداء الوطن”:

تُعدّ مقرّات المجالس النيابية «بيوت المقدس» في الأنظمة الديموقراطية، وأكثرها رمزية ومكانة لدى الشعوب. إنّها حلبة الاحتراب السياسي. منها تخرج مصائر الوطن والأمّة كونها مصدر السلطات، وتسطع تحت قببها هامات تشريعية فذّة تطبع بصماتها من جيلٍ إلى جيلٍ. غير أنّ لمجلس النوّاب اللبناني علامات نادرة وعجيبة قلّ وجودها، بالإضافة إلى دور بعض كتله في تعطيل الحياة والاستحقاقات الدستورية، يتميّز بجهاز ذائع الصيت. ملتبس وإشكاليّ في آن، ألا وهو: «شرطة المجلس». حيث لم يحظَ أي حرسٍ في أي مقامٍ مَثيلٍ أو صروح رئاسية بأيّ بلد وحتّى في الدولة اللبنانية بهذا القدر الخاص والجدليّ.

إذ يتبع الحرس الجمهوري للجيش اللبناني، والحرس الحكومي لقوى الأمن الداخلي، في حين أنّ حرس مجلس النوّاب وإن كان يخضع إدارياً للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، فهو يُؤتَمر مباشرة برئيس المجلس، ما يجعل العلاقة هجينة وغير واضحة بين هذا السلك ومرجعيات وقيادات الأجهزة الأمنية. في المقابل، يرى آخرون أن شرطة المجلس تخضع للقوانين والأنظمة المرعيّة الإجراء، وبالتالي من واجباتها حماية مقرّ السلطة التشريعية، حتى لو استعملت «العنف الشرعي»، أسوة بباقي الأجهزة الأمنية والعسكرية.

يرتبط أفراد الشرطة بولاء مطلق لرئيس المجلس ويعملون ضمن نظام خاص. كما أنهم لا يخفون هويتهم وانتماءهم السياسي، على عكس عديد وأفراد ورتباء وضبّاط القوى المسلّحة الأخرى. يتقاضون رواتبهم الشهرية من موازنة مجلس النواب، أما العناصر الأمنيون المفصولون إلى المجلس، فيخضعون لملاك الأمن الداخلي.

برز دور الجهاز أو سُلّط الضوء حول وجوده ومهامه مع ما عُرف آنذاك، بثورة أو انتفاضة 17 تشرين، حيث شهدت تلك الحقبة مواجهات شرسة ودامية في محيط ساحة النجمة، بين عناصره والمتظاهرين الساخطين على الطبقة السياسية والفساد المستشري. أعادت تلك الحوادث والعنف المفرط ملفّ الحرس إلى الواجهة، وارتفعت أصوات حقوقية وسياسية وشعبية تطالب بحلّه أو بإعادة هيكليّته ضمن أطر واضحة من حيث الأمرة ومعايير دخول العناصر والأفراد إلى هذا الجهاز المكلّف بحماية مقرّ النوّاب.

أمّا المحطّة الأخرى التي سلّطت الضوء على سلوكيات شرطة المجلس، فكانت مع إعلان النائبة بولا يعقوبيان عن قطع خدمة الإنترنت ومنع إدخال العشاء للنائبين المعتصمين في المجلس نجاة عون وملحم خلف في شباط من العام 2023. غير أنّ قيادة شرطة المجلس، نفت آنذاك الاتهامات التي سيقت ضد ضبّاطها وأفرادها حول منع دخول الطعام وقطع خدمة الإنترنت والـ4G عن النائبين خلف وصليبا (التي فكّت اعتصامها في وقت لاحق). وأكّدت في بيان أن كل تلك الاتهامات هي «محض افتراء وعارية عن الصحة جملة وتفصيلاً»، مجددةً التأكيد بأن مهامها هي حصراً تأمين الحماية لمقرّ مجلس النواب ليس إلّا.

قبل يعقوبيان، خاضت زميلتها النائبة سينتيا زرازير معركة ضدّ من أسمتهم «ميليشيا المجلس، وارتكاباتها وتكرار اعتداءاتها على المتظاهرين» ما دفعها آنذاك «لرفع دعوى، بالتعاون مع منظمة «ريفورم» أمام النيابة العامة التمييزية، بوجه عناصر «حرس مجلس النواب»، مشيرة وقتها إلى أنّ تلك «الدعوى ستستكمل لاحقاً باقتراح قانون لحلّ ميليشيا مجلس النواب وتسليم مسؤولية حفظ أمن المجلس النيابي للقوى الشرعية اللبنانية».

في الختام، تجدر الإشارة إلى أنّ شرطة مجلس النواب، قد تأسّست في العام 1943 على عهد رئيس المجلس الراحل صبري حمادة في ظلّ الأحداث الدائرة بمعركة الاستقلال، حيث رفض أحد الضابط المعنيين بحماية المجلس، تنفيذ أوامر حمادة، ما دفع الأخير إلى عقد اجتماع للمجلس، واتخذ قراراً بأن تكون لمجلس النواب شرطته المستقلّة وترتبط مباشرةً برئيس المجلس وتتلقّى الأوامر منه، وهكذا بدأ تكوين شرطة مجلس النواب، واستمرّ الجهاز في مهامه الأمنية في عهود رؤسائه السابقين من دون ضجيج أو من دون أن يتمّ صبغه سياسيّاً ويتحوّل محط استهجان لدى شريحة واسعة من اللبنانيين.

يتألف جهاز أمن رئاسة مجلس النواب من ثلاثة أقسام: شرطة مجلس النواب، سرية من قوى الأمن وسرية من الجيش. «الشرطة» معنية بتأمين أمن الرئيس والمحيط الداخلي لمجلس النواب، فيما تشمل صلاحيات سرية الجيش وسرية قوى الأمن (مع شرطة المجلس أحياناً كثيرة) حماية أمن الرئيس أيضاً وأمن عائلته والمحيط الخارجي اللصيق لمجلس النواب ومداخله، إضافة إلى مقرّ الرئاسة الثانية في عين التينة والمصيلح ومنزل بري في الجناح، والمراكز التابعة لرئاسة مجلس النواب والمهرجانات والمناسبات وفي كل مكان يتواجد فيه «دولته» أو عائلته.