IMLebanon

بين الخلافة والإمامة: لبنان هو الحل

الإمامة استدرجت الخلافة، والخلافة تبرّر وجود الإمامة. وما بين الخلافة والإمامة دخلت المنطقة في حروب ومواجهات وفتن متنقلة وتعبئة مستدامة، حيث لا مكان للديموقراطية والحريات والاستقرار والقوى المدنية.

أخطر ما في هذا الوضع الناشئ بفعل الأزمة السورية، وأخيراً العراقية، أنه أيقظ القوى الأصولية وأدى إلى نموّها وتطورها وتمددها، وقد ساهم فشل المعارضة السورية المدنية، نتيجة غياب الدعم الدولي الجدي لها، في إفساح المجال واسعاً أمام القوى الدينية المتشددة، الأمر الذي نقل المواجهة من معركة حريات وظلم واستبداد وهيمنة واستئثار، الى معركة دينية بين أتباع الخلافة والإمامة، ما أعاد المنطقة قروناً الى الوراء، وذلك ليس انتقاصاً من حق الطرفين في الوجود، إنما لأنّ سلوكهما لا ينتمي الى هذه المرحلة التاريخية التي يبحث فيها المواطن عن حريته ورفاهيته وأمنه واستقراره.

وهذا النوع من الحكم أو الأنظمة لا يمكنه أن يبرر نفسه إلّا على قاعدة العنف الذي يشكل الوسيلة الأساسية لإلهاء الناس وحرف أنظارها عن اهتماماتها ويومياتها وتحسين ظروفها الحياتية والمعيشية والعلمية. وبالتالي، علّة وجود هذه الأنظمة هو الحرب الدائمة، إذ إنّ وظيفتها هي صناعة الحرب، خلافاً للدول الحديثة او الديموقراطية التي تكمن وظيفتها في صناعة السلام وإرساء الاستقرار.

وفي هذا السياق، من الظلم تحميل الطرفين المسؤولية نفسها، لأنّ المسألة لا تقاس بالنتائج فقط، إنما بالظروف الموضوعية التي أوصلت الوضع الإسلامي إلى ما هو عليه اليوم، حيث أنّ الإمامة وطموحها التوسعي وسلوكها الانتقامي في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وتهديدها استقرار دول الخليج، استدرج الخلافة التي هي مجرد رد فعل على تخاذل غربي وشعور بالتهديد الوجودي بفعل المشروع التوسعي المُمانعاتي.

ولعلّ الجانب الوحيد والمهم في هذا التطور أنه كسر الستاتيكو القائم ووضعَ الجميع أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا استعار الحرب وتمدّدها بين الإمامة والخلافة بالشكل الذي تصبح فيه شعوب المنطقة كلها مهددة وجودياً، كما تشكيلها تهديداً لاستقرار الدول الغربية، أو الوصول سريعاً إلى تسوية تُزال بموجبها الخلافة وتتراجع الإمامة الى حدودها الجغرافية، وهذا التراجع كفيل بحد ذاته بإعادة إطلاق الثورة الداخلية تمهيداً للتغيير الجذري والفعلي. ولكن، واهِمٌ من يعتقد أنّ باستطاعته إطاحة الخلافة من دون تحجيم الدور الإقليمي للإمامة، كما واهم أيضاً من يعتقد أنّ باستطاعته القضاء على الإرهاب من دون التخلي عن المقاومة التي أصبح وجودها يستدرج الإرهاب بعد تحوّلها إلى عنوان مذهبي.

ويكفي في هذا الإطار التدليل على أحد خطابات السيد حسن نصرالله الذي قال فيه صراحة: «نحن «حزب الله» الحزب الإسلامي الشيعي الإمامي الإثني عشري لن نتخلى عن فلسطين كلّ فلسطين من البحر إلى النهر».

وفي هذا الإطار يبرز مجدداً مدى أهمية لبنان والدور الذي يمكن ان تؤدّيه قوى 14 آذار التي دخلت في مرحلة تصريف أعمال ولم تحسن بعد الخروج منها.

فأهمية لبنان في كونه تاريخياً بيئة تعدد واعتدال، وأمّا دور 14 آذار الأساسي فهو تثبيت التعدد وترسيخ الاعتدال، خصوصاً أن مرتكز قوتها هو الشراكة المسيحية – الإسلامية وتحالف قوى الاعتدال من كل الطوائف، وهدفها هو السلام والحفاظ على وجه لبنان.

ولكن لا يكفي أن يكون لبنان بيئة اعتدال وهدف 14 آذار السلام، لأنه لا يمكن الرهان على بقاء لبنان محصّناً في ظل مواجهة مفتوحة بين الإمامة والخلافة، فهو ليس خارج دائرة التأثير، والدليل انّ ارتفاع منسوب التطرف والانسداد السياسي جعلا البيئة اللبنانية – السنية خصبة لإنتاج انتحاريين.

ولذلك، يجب الدخول سريعاً على خط الصراع عبر تقديم النموذج اللبناني كإطار للحلّ على مستوى المنطقة، وإعادة الاعتبار لمشروع السلام برفض الخلافة والإمامة، كما رفض المقاومة والإرهاب.

فالوضع في المنطقة برمّتها لم يعد يُحتمل، ومن الجريمة بمكان عدم المبادرة لمواجهة هذا الوضع الخطير، وانطلاقاً من لبنان، لجملة اعتبارات أهمها مساحة الحرية التي ما زالت موجودة والتجربة اللبنانية، خصوصاً أنّ الخطر القائم يتعدى اللبنانيين إلى العرب كلهم، ما يعني أنّ الخطر المشترك يتطلّب مواجهة مشتركة بغية إعادة الاعتبار لروح ثورة انتفاضة الاستقلال والثورات العربية، ومنع إعادة المنطقة قروناً إلى الوراء، والدفع قُدماً نحو بناء مجتمعات عربية مدنية تحترم التعدد والتنوع وتكون أولويّتها الانسان على هذه الأرض.