IMLebanon

لبنان يرقص فوق النار ودول في المنطقة تنزلق إلى أزمة وجود وحدود

لبنان يرقص فوق النار ودول في المنطقة تنزلق إلى أزمة وجود وحدود

الجمهورية بلا رأس لأشهر.. والتمديد أهون الشرور عوضاً عن الفراغ المجلسي

لا خارطة طريق للخروج من الأزمات.. والقوى السياسية غارقة في الخلاف على جنس الملائكة

الجمهورية بلا رأس، الحكومة تعاني ما تعاني، المجلس النيابي بلا تشريع، لا سلسلة رتب ورواتب، لا معاشات للموظفين، لا ملء للشواغر في عمدة الجامعة اللبنانية ولا تفرّغ للأساتذة، لا قانون جديد للانتخابات، لا كهرباء، لا مياه، لا أمن، لا حل لمشكلة النازحين.. لا.. لا.. الى أن ينقطع النفس. وفي مقابل ذلك لا يحرّك أحد ساكناً والقوى السياسية مستمرة في الخلاف على جنس الملائكة فيما البلد يرقص على حافة الهاوية.

لا يوجد خارطة طريق للخروج من الأزمات التي لا تعدّ ولا تحصى إن على المستوى الداخلي أو الإقليمي أو الدولي، فالجميع قد ضيّع هذه الخارطة، فيما البعض يفتش عن استثمار في الحالة «الداعشية» الجديدة لتقوية نفوذه في المنطقة أو أقلّه للمحافظة عليه.

ليس بالصدفة أن تصبح المنطقة بأكملها على المشرحة، حيث تتعرض حدود بعض الدول للذوبان، وهنا كيانات بأمهّا وأبيها تتلاشى وباتت دول كثيرة مهددة، حتى أننا وصلنا الى مرحلة من الغليان تأكد معها أن الجميع بات يعيش أزمة وجود وحدود.

على المستوى اللبناني فإننا نعيش لحظات الرقص على النار، حيث حالة الفراغ المتشعبة أصبحت مقرونة بالخوف واستمرار القلق الذي يدور كمروحة على كل المستويات، إذ هل يوجد مصيبة أكبر من أن يكون اللبناني لاجئاً في وطنه؟، وما وصلنا إليه لا يتحمّل وزره فريق سياسي معيّن بل إن المسؤولية يتحمّلها الجميع من دون استثناء، حتى أولئك الذين ينفون وجود الخطر الأتي من مجريات الأحداث في المنطقة يدركون بأن الفراغ في لبنان سيجر الفراغ، وهو مفتوح على كل الاحتمالات، فإذا كان الفراغ المناخي قد أحدث هزة أرضية، فإن الفراغ السياسي حتماً ينجم عنه هزات أمنية، وكذلك الفراغ الاقتصادي يحدث هزات مالية، والفراغ النقابي يؤدي الى هزات معيشية.

إن المعطيات التي تحكم مسار الأمور في لبنان تظهر أننا ذاهبون الى هزة كبرى من خلال عدم قدرة المسؤولين على التصدي لكل الأزمات التي تتوالى على البلد، ومن خلال عدم القدرة على الامساك بناصية الأمور حيث لا إمكانية لذلك طالما أن الفراغ مستوطن في كل مفاصل الحياة في الدولة وطالما أن لبنان يذهب من خلال السلوك السياسي لقياداته بيديه ورجليه وعن سابق تصوّر وتصميم الى الهاوية.

إن من المؤكد أن الانتخابات الرئاسية أصبحت في خبر كان وهي باتت معلقة على حبال الأزمات الإقليمية والدولية التي قد لا تنتهي بأشهر وسنوات، وينسحب ذلك على الانتخابات النيابية حيث لن يكون هناك أي إمكانية لإجراء هذه الانتخابات النيابية في الخريف المقبل تحت أي اعتبار أمني، وهذا سيفتح حكماً الأبواب أمام التمديد للمجلس الحالي باعتباره أهون الشرور وأقرب المسافات للخروج من هذه الأزمة، وهذا المخرج بدأ تداوله في الصالونات السياسية الضيّقة، حيث باتت تسمع همسات لمسؤولين من مختلف القوى تسأل متى سيأتي النهار الذي سيعلن فيه التمديد للمجلس النيابي وكفى المؤمنين شر القتال.

إن ما نحن فيه مردّه غياب التوافق العربي والإقليمي على حل الأزمة أو الأزمات في لبنان، حتى أن صنّاع القرار في العالم ملتهون بأزماتهم وهمّهم في مكان آخر بعيداً كل البعد عن شيء إسمه لبنان حيث أصبح هذا البلد مجرد تفصيل في أسفل درك اهتماماتهم، وهو ما يجعل مصير لبنان مهدد وغده لناظره أسود.. أسود.. أسود.

أمام هذا الواقع لم يعد يجدي الهروب الى الأمام أو التلطي وراء الأصبع، فالنار وصلت الى أطراف ثوبنا ولم يعد من الممكن الاستمرار في هذه المناخات السياسية التي أصابت الناس بالقرف والإحباط، وبات لزاماً على الجميع القفز فوق النكد السياسي والمراهنة على حصول تطورات إقليمية أو دولية لتوظفها في المعارك الداخلية، إذ أن تطورات المنطقة سبقتنا بأشواط، وهي تتجه الى التبعثر على المستوى الجيوسياسي نتيجة الحرب الدائرة إن في سوريا أو على العراق أو فلسطين المحتلة.

وانطلاقاً من هذا المشهد المخيف تبرز الدعوات المتكررة لبعض الدول للقوى اللبنانية بأن تسارع الى التوافق على انتخاب رئيس لعلمها اليقين بأن الوضع المأزوم في المنطقة من الممكن أن يلفح لبنان بشكل يتهدد أمنه واستقراره ويطيح بالمظلة الاقليمية والدولية الموجودة منذ أشهر وتحول دون انفلات الأمور على غاربها تحت أي اعتبار.

وحيال ذلك فإن مصادر سياسية واسعة الاطلاع تؤكد بأن لا معطيات في الأفق تحمل أي بذور لأي تفاهم يؤدي الى إنجاز الاستحقاق الرئاسي في وقت قريب، لا بل إن السلوك السياس يظهر بأن الشرخ حول هذا الموضوع يزداد يومياً وهو بالتالي أصبح استحقاقاً داخلياً لكن قراره بات خارجياً، وهذا الأمر ينسحب أيضاً على الانتخابات النيابية التي من غير الممكن أن تحصل في الموعد المحدد في تشرين وهو ما يبعث على الاعتقاد بأن التمديد للمجلس الحالي سيكون مع قابل الأيام مطلباً ملحّاً لدى كل الأطراف، اللهم إلا إذا كان هناك قرار ما يرمي الى إغراق البلد في اتون الفراغ القاتل.

لكن في رأي المصادر لا يعني الاستسلام والنأي بالنفس عن تسيير شؤون البلاد، حيث أن هناك ملفات اجتماعية ومعيشية لا تحتمل التأجيل، وهي تشكل قنابل موقوتة من الممكن أن تنفجر في وجه الحكومة في أية لحظة ولن يكون في مقدورها أن تتصدى لأي حراك كونها تفتقد القدرة على المواجهة، بعد أن أثبتت التجارب أن سياسة الهروب الى الأمام و«الترقيعات» لم تجدِ نفعاً، لا بل جعلت الملفات والأزمات تتراكم الى حد لم يعد في مقدور أحد مقاربتها ومعالجتها في ظل «التناتش» السياسي الموجود منذ سنوات.

وتحذر المصادر من أن الانفجار الاجتماعي في هذه الآونة ستكون نتائجه وخيمة، وبالتالي فإن المطلوب السعي الجدي والدؤوب لمعالجة ملف «السلسلة» وكذلك ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية، أضف الى ذلك الأزمة المستجدة وهي رواتب الموظفين في المؤسسات والإدارات العامة.