IMLebanon

هل وقعت «لحظة التخلّي» بين بوتين والأسد؟

في اللغة العربيّة ومن معين حضارتها التي تُشكّل «المسيحية» و«المحمدية» عصبها الأساس، بحر من الدلالات اللغوية المستقاة من الأعماق اللاهوتية والدينية. ولعلّ كثرة الثرثرة المذهبية وقلة المعرفة بالدين إضافة الى قلّة استعمال تلك الدلالات ساهمت كلّها في سقوطها عن الألسن الشعبية.

«لحظة تخلّي» واحدة من تلك الألفاظ التي خرجت من حلبة التداول، إلى أن استخدمها النائب وليد جنبلاط في إطلالته التلفزيونية الشهيرة عبر «الجزيرة» يومَ وجَد فيها ضالّته للعودة الى أحضان سوريا الأسد قبيل الفراق الاخير؛ وبجردة سريعة عبر مواقع التواصل الإجتماعي – باحة

الجمهور العربي شبه الوحيدة في التعبير- راجت مقولة «لحظة التخلّي» وتمّ ربطها بروسيا وسوريا.

أضف الى ذلك ما ضُخّ في الإعلام والصالونات السياسية من تحليلات في سياق الترويج أو الإنكار لوقوع «لحظة التخلّي» بين الرئيسَين فلاديمير بوتين وبشار الأسد.

هل فعلاً وقع التخلّي؟ وما هي الإشارات التي استند إليها مروّجوه؟ وكيف يجيب عنه المعنيون بالأمر من ديبلوماسيين روسٍ وسوريّين؟

شكّلت ثلاث إشارات المفاصل الأساس في صناعة ذاك المناخ العام وإليها استند المروّجون لنظرية «التخلّي».

أولاً: تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي توقّع فيه «أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتّجه الى «التخلّي» عن نظيره السوري بشار الاسد».

ثانياً: تصويت روسيا في مجلس الأمن بالموافقة على مشروع قرار أميركي بفتح المجال أمام محاسبة المسؤولين عن استخدام السموم الكيماوية في سوريا.

ثالثاً: كلام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في المؤتمر الصحافي الأخير في موسكو بحضور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والذي جاء فيه: «أنّ السعودية تعتبر بشار الأسد جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحلّ». يُضاف إلى ذلك موافقة خضوع المنظمين للمؤتمر في الخارجية الروسية لرغبة الضيف السعودي بعدم السماح للمحطات السورية بتوجيه أيّ سؤال.

عن الإشارة الأولى يربط مصدرٌ ديبلوماسي روسي بين كلام اردوغان عن «التخلّي» وما سبق ونشره موقع «موسكو تايمز» عن «أنّ الرئيس بوتين تجاهل البروتوكول والعُرْف الديبلوماسي واستدعى مباشرة «أوميت يارديم» سفير تركيا لدى موسكو ليوجّه تحذيراً شديدَ اللهجة الى أردوغان واصفاً إياه بـ»رئيس ديكتاتور»، واضعاً تسريب أردوغان في الصحف من دون تبنّيه رسمياً في إطار حرب الإشاعات المُمَنهَجة وفي سياق الرّد على رواية «موسكو تايمز» غير الصحيحة.

أما عن التصويت الروسي على القرار المتعلّق بإستعمال الكيماوي، فيُعلّق مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة الدكتور بشار الجعفري بالقول: «إنّ تحديد هوية الجهات المسؤولة عن استخدام السموم الكيماوية هو أساساً مطلبٌ سوري منذ استخدام هذه المواد ضدّ المدنيّين والعسكريين في خان العسل قبل عامين، وبعد استهداف العصابات لبلدة خان العسل بثمانية عشر ساعة فقط، فاجأت الأمين العام وطلبت منه تقديم المساعدة إلى الحكومة في أمرَيْن اثنين: أولاً: التحقيق في ما اذا حدث هجوم بالأسلحة الكيماوية على البلدة. وثانياً: تحديد هوية مرتكب الهجوم».

ويكشف الجعفري أنّ الأمين العام «طلب إعطاءه مهلة لدرس الطلب مع الدول الفاعلة في مجلس الامن ثمّ عاد إليّ صباح اليوم التالي ليقول إنه جاهز للمساعدة في الأمر الأوّل، أيْ التحقيق في ما إذا حدث استخدامٌ للسلاح الكيماوي، لكنه يعتذر عن عدم التمكن من تقديم المساعدة في الأمر الثاني، أيْ تحديد هوية مرتكب الجريمة!». ويضيف الجعفري: «أنّ الحكومة السورية وافقت على العرض المقدَّم من الأمين العام على رغم قصوره، وكانت تلك الموافَقة «فعلاً» مفاجأةً مجدَّداً «للدول الفاعلة».

ويخلص الجعفري الى الجزم «أنّ الروسي لم يتخلَّ ولم يُغيّر، وهو يعرف قواعد اللعبة ويحاول أن يوجّهها في الإتجاه السليم قدر المستطاع لأنّ الغربيّين يدركون أنّ موسكو لا يمكنها استخدام الفيتو ضدّ مشروع قرار يتعلق بجريمة استخدام إحدى أسلحة الدمار الشامل. ويبدو أنّ بيت القصيد بالنسبة إلى الروسي الآن هو السيطرة على آليات ومرجعيات وشخصيات التحقيق لكي لايتمّ التلاعب به».

أمّا عن تصريح الجبير فيتجاوز المصدر الروسي ما جاء على لسان لافروف من عبارة «أحمق» بالتوازي مع كلام ضيفه السعودي عن الأسد الى قول لافروف: «الأسد لا يُهدّد أيّ دولة من دول الجوار». ليسأل: «هل هناك من كلام أوضح من الذي قاله لافروف في مؤتمره الصحافي الاخير مع نظيره الايراني عن الرئيس الأسد وثباته في المعادلة؟!»

وأعاد المصدر الروسي التذكير بما أكّده بوتين، خلال المنتدى الاقتصادي السنوي في سان بطرسبرغ، عن دعمه المباشر للأسد وتسميته بالإسم وذلك عشية استقبال القيصر لوليّ وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

اذاً، للمروّجين لـ»لحظة التخلّي» الروسية عن الأسد إشاراتهم التي تبدو للديبلوماسيين والعاملين على خط البلدَين ضعيفة تقابلها دلالاتٌ بأنّ «التخلّي» لم يقع.

ويبقى للقارئ حق الإقتناع من عدمه دون إغفال أنّ في بلادنا غالباً ما تذهب الألسن الى البوح بما تهوى لا بما هو حاصل بالفعل. إلّا أنّ الأكيد من وجهة نظرنا الخاصة التي تتطابق حرفياً مع كلام اكثر من ديبلوماسي روسي وأمني أنّ «الدب الروسي» لن يقع في الفخّ السوري كما وقع من قبل في «الشرَك» الليبي حين تخلّى فخسر نفوذه.

وعليه يمكن القول حتى الساعة، إنّ «لحظة التخلّي» الروسية لم تقع، بل إنّ في سوريا مَن يشعر أنّ روسيا متمسّكة بالأسد أكثر من أيّ وقت مضى وتحاول تسخير كلّ طاقاتها لإخراج سوريا من أزمتها.