IMLebanon

بعد «الخطابين»: الحوار باتَ للإستراتيجية الكبرى

أجمعَ بعض الذين تابعوا وقائعَ خطاب الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله في ذكرى القادة الشهداء الثلاثة أمس، على أنّ هذا الخطاب إنّما يخاطب مرحلة جديدة، ويعلن من خلاله السيّد نفسَه بما يمثّل لاعباً كبيراً على مستوى المنطقة والعالم، ولا يرى الاعتبارات اللبنانية إلّا من خلال العناوين الكبرى.

كلامٌ كثير وكبير قاله السيّد نصرالله، لكنّ أهمّ ما لم يقُله السيّد، هو الذي لم يقُله حين ردّ على تصعيد الرئيس سعد الحريري في خطاب «البيال» في الذكرى العاشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، تجَنّباً للدخول في أيّ تجاذبات كلامية، ومدركاً أنّه إذا كان جمهور الحريري الإبن وعلاقاته الخارجية تفرض عليه سقفاً مرتفعاً لخطابه فإنّ الحريري قد اختصر الموقف السياسي العملي بجملةٍ واحدة في خطابه حين قال إنّ الحوار مع حزب الله هو «حاجة إسلامية وهو ضرورة وطنية».

كلام الحريري وعدم كلام نصرالله أكّدا أنّ الحوار بات للاستراتيجية الكبرى التي يتحرّك تحت سقفها تيار «المستقبل» وحزب الله وما يمثّلانه في لبنان والمنطقة. ويؤكّد تمسكُ الطرفين بالحوار أنّ لبنان ما زال خارج النزاعات الاقليمية، وربّما الدولية، وأنّ الجميع باتوا مقتنعين بحصصِهم في هذا البلد، ويخشون المغامرة في خسارتها، وربّما تصبح تجربة الحوار في لبنان تجربة يُحتذى بها لمواجهة كلّ النزاعات الأخرى التي تشهدها المنطقة.

غير أنّ المهم أيضاً في خطاب السيّد نصرالله هو اللهجة التي خاطبَ بها حكّام الخليج والجزيرة حين تعاملَ معهم على أساس أنّهم مستهدَفون مثلما هو مستهدَف من الجماعات المتشدّدة التكفيرية التي تريد الوصول الى مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، وبالتالي فهو دعاهم الى إجراء المراجعة الضرورية لسياستهم تجاه أزمات المنطقة، بدءاً من سوريا والعراق وصولاً إلى البحرين واليمن. فهذا الخطاب يحمل نبرةً تصالحية عالية، وهو يأمل في أن يلقى تجاوباً لدى تلك العواصم الخليجية، خصوصاً أنّ حرائق المنطقة بدأت تحوط بها.

ولعلّ دعوة السيّد نصرالله إلى وضع استراتيجية وطنية لبنانية لمواجهة الإرهاب هي إيجاد مخرج لأفرقاء النزاع في لبنان لكي يتجاهلوا عداواتهم المتواصلة منذ عقدَين، والتفرّغ لمواجهة العدوّ المشترك الجديد، بدءاً من إسقاط «الفيتوات» المعروفة في الاستحقاق الرئاسي وصولاً إلى تعديل آليّة اتّخاذ القرار في مجلس الوزراء بما يحرّك عجَلة الدولة ويخرجها من الترهّل الذي تعيش فيه.

طبعاً، قدّم السيّد نصرالله نفسَه وحزبَه أنّهما في نزاعهما مع التنظيمات المتشدّدة إنّما يدافعان ليس فقط عن سيادة لبنان وبقيّة دوَل المنطقة واستقرارها، وإنّما يدافعان أيضاً عن الإسلام، فإذا كان السلوك الإجرامي لهؤلاء المتشدّدين يشوّه الإسلام في نظر العالم فإنّ مقاتلتَهم على يد حزب إسلاميّ تُظهِر أنّ الإسلام ليس كما يصوّره أهل النحر والذبح والحرق الذي لم يستثنِ جماعةً دينية أو عرقية من ناره.

ويُظهِر الخطاب أنّ ما يجري هو لعبة أمَم معاييرُها صاخبة، تظهر معها المنطقة على أنّها دخلت عملية خلط أوراق وساحات تمهيداً لإعادة ترتيبها من جديد، وأن كلّ من لن يكون حاضراً فيها سيكون خارج هذه العملية.

ويرى البعض أنّ دعوة السيّد الأفرقاءَ الذين يطالبون حزب الله بالانسحاب من سوريا للذهاب معه إلى هناك لمواجهة التنظيمات التكفيرية من «داعش» و«جبهة نصرة» وأخواتهما، وكذلك دعوته إلى التنسيق في هذا الإطار بين الحكومتين اللبنانية والسورية وبين الجيشين اللبناني والسوري إنّما يشير إلى أنّ معركةً كبرى ستحصل بعد ذوبان الثلج على طرفَي الحدود اللبنانية الشرقية لإنهاء وجود المسلحين المتطرّفين فيها من عرسال إلى القلمون وصولاً إلى كلّ مكان فيه وجودٌ لهؤلاء الذين لن يكون لهم أيّ وجود في أيّ حوار أو تسوية سياسية للأزمة السورية.

في الوقت الذي تستعدّ القيادة الروسية لرعاية الجولة الثانية من الحوار السوري ـ السوري بين ممثّلي النظام وغالبية أطياف المعارضة باستثناء الجماعات التكفيرية والمتطرّفة مطلع آذار المقبل.

وفي رأي العض أنّ دعوة السيّد إلى التنسيق مع دمشق تعكس وجود ثقة كبيرة ومعطيات مهمّة لديه حول مستقبل النظام السوري، إذ إنّ قوات الجيش النظامي والدفاع الشعبي حقّقت في الأيام الأخيرة تقدّماً ميدانياً واسعَ النطاق في مواجهة الجماعات المسلحة، خصوصاً في الجنوب، ما أحبَط مشروع «الحزام الأمني» الذي خطّطت إسرائيل لإقامته على حدود الجولان المحتلّ من خلال الدعم الذي قدّمته للجماعات المسلحة، وفي مقدّمها «جبهة النصرة»، وهذا التقدّم سيُبنى عليه لخوض معارك حاسمة لاحقاً في بقيّة المناطق السورية.

فهل يتلقّى المعنيون رسائلَ نصرالله الأربعة ويفتحون في المنطقة أبواباً جديدة للتسويات والتفاهمات، على غرار ما جرى في لبنان حين وافقَ تيار «المستقبل» على أن يشارك في حكومة مع حزب الله ووافقَ الحزب على أن يشارك في حكومة يتولّى فيها صقور «المستقبل» وزارات حساسة كوزارتي الداخلية والعدل؟ وهل يفهم المتنازعون في المنطقة هذا الدرس اللبناني فيحموا بلادَهم من مخاطر إقصاءِ الآخر وتهميشه والتنكّر لوجوده باعتباره مُكوّناً أساسياً من مكوّنات المجتمع؟