IMLebanon

الجبل الماروني- الدرزي… بين إستراتيجية لبنانية وإستراتيجيات الطوائف!

 

عندما خلَف موشي أرنز، أرييل شارون في وزارة الدفاع الإسرائيلية، نبّه بلؤم ركناً من أركان الموارنة آنذاك وهدَّد بقطع العمود الفقري للبنان لدى خروجه مع جيشه، بما يجعله غير قابل للالتحام مرة ثانية.

نُفّذ التهديد في «حرب الجبل» عام 1983، الذي ضرَب قلب «الجيوبوليتيك» اللبناني ووضع مفتاح لحمته مجدداً في يد الاسرائيلي وذلك للأسباب الآتية:

تحكّم اسرائيل بجزء من قوة الدروز في الجولان واسرائيل.

عداء النظام في دمشق المستحكم للموارنة في لبنان.

كان الطريق الوحيد لترميم هذا المأزق هو السعي الى مصالحة «جبل تاريخية» على رغم اعتماد استراتيجيّتين مختلفتين: الأولى وطنية لبنانية تمثلت ببكركي والمقاومة اللبنانية، والثانية طائفية درزية.

أبرز دلائل الاستراتيجية الطائفية هو المأزق السياسي الجنبلاطي قبل الحرب نتيجة عامل نفسي أولاً، وسياسي ثانياً، وطائفي في كل الحالات. لقد تحرَّك كمال جنبلاط في مواجهة رئاسة الجمهورية بشكل مستمر بغض النظر عن الرئيس، ودائماً يتموضع في الانشقاق الماروني – السنّي. خلفيات العقدة كانت بسبب خروج الدروز من المعادلة السياسية مع إنشاء لبنان الكبير، خصوصاً عند الاتفاق على الميثاق الوطني عام 1943. لا يمكن فهم المجزرة التي حصلت بحق مسيحيّي الجبل غداة مقتل زعيم المختارة، رغم معرفة هوية المنفذ، إلّا انطلاقاً من هذه الزاوية.

تابع وليد جنبلاط من موقع أبيه نفسه، وقبّل اليد التي اغتالته ونفذ على مدى الحرب استراتيجيات التحالف مع السوري في مواجهة الخط السيادي اللبناني والمقاومة اللبنانية. وكانت نتيجة هذه الاستراتيجيات مكسباً مادياً وسياسياً لجنبلاط وللطائفة الدرزية عند دخول لبنان مرحلة «الطائف» والهيمنة السورية، وذلك على حساب أعدائه السابقين.

أما الاستراتيجية الوطنية اللبنانية المتمثلة بموقف الكنيسة المارونية أيام البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير فكانت مبنية على رفض كل احتلال أو وصاية خارجية على لبنان، والتي تمثلت بحضن ورعاية لقاء «قرنة شهوان» الذي ضمّ آنذاك أبرز وجوه المعارضة للوصاية السورية. وكان ركن إستراتيجية بكركي الاساسي إعادة التحام نصفي الجبل اللبناني فكانت المبادرة باتجاه زعيم المختارة والمصالحة الشهيرة في 3-5 آب 2001.

من هنا، يمكن تعليل أهم أسباب مجيء جنبلاط الى مصالحة الجبل، وهي اقتناعه واستشرافه صعود الشيعة في المعادلة الاستراتيجية نتيجة ضعف الأسد الإبن وخصوصاً بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. وقد شكل الشيعة خطراً حقيقياً لجنبلاط والدروز حيث يمكنهم أن يجتاحوا الجبل ديموغرافياً ويقضموا المرجعية السياسية الدرزية.

ولكنّ هذا الخطر لم يجعله يتحصّن بالاستراتيحية اللبنانية الوطنية بل لعبَ على التوازن بين السنّة والشيعة محافظاً على الخلاف التقليدي السنّي- الماروني. ومن هذه الزاوية نفهم فكرة التحالف الرباعي في بعبدا وتطويق الجنرال ميشال عون قبل عودته من فرنسا الى ضرب القرار 1559 عند سعيه الى حلّ موضوع سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار… إلخ.

أما اليوم، وبعد مرور 15 عاماً على المصالحة التاريخية، والتي تُوجّت هذه السنة بإعادة كنيسة السيدة في المختارة، ليست إلّا دليل على تشبّث جنبلاط بالمصالحة. ويأتي هذا بعد دخول «حزب الله» الى سوريا ممّا جعل خطره أكبر على الدروز واندفاعة كبيرة للخط الإيراني على المنطقة، حيث تحوّل الجولان الى جنوب ثان، وفتحت جبهة واحدة إيرانية حوّلت دروز الجولان الى دروع بشرية للمشروع الفارسي!

باحث في العلوم السياسية