IMLebanon

بايدن لنتنياهو: أوقفوا الحرب ليمشي التطبيع

 

 

تحاول إدارة الرئيس جو بايدن استخدام أسلوب العصا والجزرة في ملف غزة. وهي تحاول إغراء بنيامين نتنياهو بالحصول على مكاسب إذا وافق على الانخراط في تسوية سياسية شاملة. لكن لنتنياهو حسابات أخرى، وحتى الآن لم يقتنع بالمكاسب التي سيحققها إذا تجاوب مع واشنطن وأوقف الحرب.

عندما نفّذت حركة «حماس» عملية «طوفان الأقصى»، قبل 4 أشهر تقريباً، كان الشرق الأوسط يجتاز لحظة سياسية حسّاسة. فمفاوضات التطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية بلغت يومذاك مراحل متقدّمة. وكانت المملكة جازمة بأن لا تطبيع مع إسرائيل إلّا إذا وافقت على المبادرة التي أطلقتها قمّة بيروت العربية في العام 2002: الأرض مقابل السلام ومنح الفلسطينيين دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وفي صيف العام الفائت، بدأ نقاش جدّي في أروقة الجامعة العربية، وبين الوسطاء، حول تطوير هذه المبادرة لتكون أرضية للنقاش في التسوية. وكان هناك اتجاه إلى تسويق المبادرة مع إدخال تعديلات وتفاصيل تتعلق بمسألة الدولة الفلسطينية، بحيث يقبل بها الجميع.

البعض يقول إنّ إيران دفعت «حماس» إلى تنفيذ عمليتها تلك لتقطع الطريق على هذا التطبيع وتفرض نفسها لاعباً أساسياً في أي تسوية للملف الفلسطيني. لكن حلفاء طهران يقولون العكس. فما تقوم به «حماس» اليوم من شأنه أن يسمح للمفاوض الفلسطيني برفع السقف وفرض الشروط، وهو ما لم يكن وارداً قبل 7 تشرين الأول 2023.

 

وفيما الحرب في أوجها في غزة، بقيت فكرة التطبيع، ضمن تسوية شاملة، موضع تداول في الأقنية الديبلوماسية. وهي المفتاح الذي تستخدمه اليوم إدارة بايدن، لإقناع إسرائيل بوقف الحرب، خصوصاً بعدما أعلن السعوديون، من أعلى مستويات الهرم، استعدادهم لقبول التطبيع، وفق الشروط التي طرحوها سابقاً.

 

ويتردّد في الأوساط الديبلوماسية أنّ إدارة بايدن نقلت عبر موفديها إلى نتنياهو طلباً بالإسراع في إنهاء الحرب العبثية والمكلفة في غزة، لأنّ التطبيع سيحقق لها ما يصعب تحقيقه بالحرب، وسيدرّ عليها الأرباح والمكاسب بدلاً من تكبيدها الخسائر العسكرية والاقتصادية المتعاظمة.

 

ويشكّل التطبيع، والتسوية في الشرق الأوسط، هدفاً كبيراً لإدارة بايدن في العام الأخير من ولايته الرئاسية. فهو يبحث عن انتصار مدوٍّ في سياسته الخارجية يرفع أسهمه كمرشح لولاية ثانية في وجه دونالد ترامب المتقدّم في الاستطلاعات حتى اليوم.

 

وعلى الأرجح، هو سيضيف إلى التسوية التي يعمل لها الأميركيون بنداً جديداً أفرزته حرب غزة، وهو إقرار خطة لإعادة إعمار القطاع بتمويل عربي (حيث للسعوديين دور حيوي) ودولي، والسعي إلى إنتاج قيادة فلسطينية جديدة يقبل بها الجميع، وتتولّى التحدث باسم الفلسطينيين، بدلاً من «فتح» و»حماس».

 

وكذلك، كان السعوديون قد طرحوا مقابل التطبيع أن يحصلوا على برنامج نووي لأهداف مدنية، ويتردّد أنّ الأميركيين اقترحوا من جهتهم فكرة التوقيع على معاهدة دفاعية مع المملكة.

 

ويطالب السعوديون أيضاً بإحياء صفقات السلاح التي وقّعها الأميركيون معهم ومع ودول خليجية أخرى في الأسابيع الأخيرة من ولاية دونالد ترامب، والتي جمّدتها إدارة بايدن في العام 2021، وبينها بيع محتمل لـ 3000 صاروخ موجّه بدقّة إلى السعودية، وصفقة بقيمة 23 مليار دولار لتزويد الإمارات العربية المتحدة بـ 50 طائرة مقاتلة من طراز F-35. ويرجح أن يبدي الأميركيون مرونة في هذا الملف، إذا توافرت العناصر لحل العقدة الأساسية، أي إقناع نتنياهو وحكومته.

 

وكان لافتاً ما أعلنه مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، عن استراتيجية إدارة بايدن لما بعد الحرب في غزة هي ربط التطبيع بين إسرائيل والسعودية بإنشاء مسار لإقامة دولة فلسطينية. وقال: قد يصعب تخيّل هذا الأمر حالياً، لكنه يحتاج إلى قرارات جريئة، وهو يبقى الطريق الوحيد إلى السلام والأمن.

 

وعلى الأرجح، يوجّه سوليفان رسائله إلى المتشددين الذين يقودون الحكومة الإسرائيلية. فنتنياهو، على رأس حزب «الليكود»، يرفض تماماً تقديم أي تنازل للفلسطينيين أو العرب مقابل التطبيع، وعلى العكس، هو يسعى إلى توسيع الاستيطان واستمرار الحرب حتى تهجير الغزيين. وأما وزير الدفاع يوآف غالانت، فيتجاوزه في التشدّد والعنف، ويريد إعادة احتلال غزة وتدمير «حماس» تماماً، ويرفض أي حل سياسي لمسألة غزة والملف الفلسطيني عموماً. وفي المقابل، يبدو بيني غانتس، الأقل تشدّداً، عاجزاً عن التحرّك. وهذه المواقف المتصلبة داخل الحكومة الإسرائيلية تجعل التسوية أمراً شبه مستحيل حتى إشعار آخر.

وفيما يبدي السعوديون انفتاحهم المشروط على التسوية، تعجز إدارة بايدن حتى اليوم عن دفع نتنياهو ورفاقه إلى تعديل مواقفهم. بل إنّ هناك انطباعاً متبادلاً لدى بايدن ونتنياهو بأنّ كلاً منهما لن يستطيع إقناع الآخر بوجهة نظره إطلاقاً.

 

ولذلك، تدور حرب خفية بين الرجلين، يسعى فيها كل منهما إلى إسقاط الآخر أو انتظار سقوطه تلقائياً. وإذا كان مضموناً أن يبقى نتنياهو في السلطة ما دامت حرب غزة مستمرة، فإنّ بايدن باقٍ في السلطة حتى انتهاء ولايته، بعد عام، إذا لم ينجح في تأمين انتخابه لولاية ثانية. ومعادلة القوة هذه تعني أنّ الحرب في غزة- وربما في أماكن أخرى من الشرق الأوسط- مرشحة للاستمرار عاماً كاملاً على الأقل.