IMLebanon

كنعان لـ «الجمهورية»: حكومات الوحدة الوطنية غير متجانسة وبطيئة

 

أقرّ رئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان أننا نمرّ في مرحلة اقتصادية صعبة، والمطلوب إجراءات عملية، وخطوات جدّية رغم انّ الحكومة غير متجانسة. بلغة الأرقام التي تحدث عنها كنعان: إرتفع مجموع خدمة الدين إلى 10.6 في المئة، والعجز في موازنة 2019 كان 7.59 في المئة، ووصَل إلى 7.38 في المئة في موازنة 2020، وهدفه تخفيض إضافي ليصِل إلى نحو 300 أو 400 مليار ليرة. أمّا النمو فأكّد أنه يُناهز الصفر، وقد سجّلت النفقات الاستثمارية انخفاضاً إلى 5.82 في المئة عام 2020 بعد أن كانت العام الماضي 6.83 في المئة، أي لا استثمار. ورأى كنعان خلال زيارته جريدة «الجمهورية» أنّ المجتمع الدولي جاهز لمساعدتنا، لكن علينا أن نساعد أنفسنا أوّلاً. وتحدثَ بالتفاصيل عن القطاعين العام والخاص، وملف الكهرباء والحكومة الالكترونية، وموازنة 2020. وهنا كامل الحوار الذي أجرته معه «الجمهورية».

 

  • كيف تقرأ زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى فرنسا في ظل الوضع الاقتصادي الراهن؟

ـ إنّ كلّ تواصل مع المجتمع الدولي، خصوصاً الدول الفاعلة في «سيدر»، هو إيجابي للبنان. فنحن في مرحلة اقتصادية صعبة، ورهاننا اليوم جدّي على استعادة الثقة الدولية.

والمطلوب اليوم، على صعيد الخارج والداخل، هو إجراءات عملية، وخطوات جدّية، ووضع كل المقررات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية موضع التنفيذ.

المسألة واضحة، لدينا 3 الى 4 ملفات كبرى تشكّل العجز الأساسي للدولة اللبنانية، والمسؤولون مرتبطون بإصلاحات جذرية بنيويّة يفترض حلّها. وقد ركّز الحوار الاقتصادي، الذي عُقد في بعبدا في 9 آب، على هذه الملفات تحديداً، ومنها تنفيذ موازنة 2019 وإصلاحاتها، والشراكة بين القطاعين العام والخاص التي بات قانونها جاهزاً، وتحويل معامل إنتاج الكهرباء من فيول الى غاز، والحكومة الإلكترونية التي أبدى البنك الدولي استعداده لتمويلها بمبلغ يصل الى 100 مليون دولار… كلها مقررات في حاجة الى إجراءات تنفيذية من شأنها أن تفتح الأبواب جدياً لاستعادة الثقة بلبنان.

 

  • إذاً، القول إنّ مسار «سيدر» بدأ الآن بعد الزيارة ليس دقيقاً؟

ـ فضلاً عن «سيدر»، هناك 4 مليارات دولار رصدها البنك الدولي للبنان، بدأ العمل بمليار ونصف منها والمبلغ المتبقّي ينتظر الإصلاحات. ومن جهّتنا كدولة لبنانية، الإرادة موجودة للاصلاح، لكن لا يفترض أن نتأخّر في التنفيذ.

والى جانب الاصلاحات في موازنة 2020 يجب ترجمة المقرارات الاصلاحية التي اتّخِذت، ومنها على سبيل المثال، إقفال 79 مؤسسة عامّة لا تُنتج.

باختصار، المجتمع الدولي حاضر لمساعدتنا، والاثبات هو الحديث عن ودائع وتغطية الديون… ولكن علينا أن نساعد أنفسنا أوّلاً، من خلال العمل الجدي، الاصلاحات بدأت تطبّق، ولكن بوتيرة بطيئة، والمفروض أن تسرّع خطواتها.

 

  • من يتحمّل مسؤولية البطء؟ وأين نحن على سلّم الاصلاحات؟

ـ والبطء ناتج من أمرين أساسيّين: خلفياتنا المتناقضة، وتركيبتنا السياسية الفضفاضة، مثل حكومة الوحدة الوطنية التي تجمع الأطراف كافة، وتصدر بياناً وزارياً لا يشكّل رؤية للبلاد، وهو عملية تسوية لغويّة، وهذا الأمر موجود منذ 30 سنة حتى اليوم بعيداً عن الرؤية الوطنية الاقتصادية المالية السياسية، بل تتحوّل الحكومة الى مركز للتصادم والتصارع داخل الحكم ينعكس شللاً وبطأ في العمل بالنسبة الى المواطن الذي يتحمّل كل هذه التبعات.

السلطة التنفيذية غير متجانسة وكل فريق «رابِض» على مواقع معيّنة، ويعطّل عمل الآخر بحسب مصالحه.

ولأننا لا نستطيع أن نغيّر تركيبة لبنان السياسية، بدأنا في بعبدا بمبادرة رئيس الجمهورية، وإيجابيتها الأساسية هي دعوة جميع الفرقاء الى طاولة واحدة لنتوافَق على حلول ورؤية اقتصادية واحدة في الكهرباء والمال العام والشراكة مع القطاع الخاص… والأهمّ هو «تصفير» المشكلات السياسية كي نعكس مناخاً سياسياً إيجابياً للعمل الإقتصادي.

وفي بعض الأحيان إنّ شروط التنفيذ تؤدّي الى البطء، من هنا أهمية تعديل بعض القوانين وتطويرها.

 

  • لماذا تقديم أوراق اقتراحات جديدة للموازنة طالما أنّ الأطراف السياسية، ومنها المعارضة، قدّمت اقتراحاتها في بعبدا؟

ـ ما أعرفه أنّ هذه الاقتراحات تتضمّن آلية تنفيذية لِما تمّ الاتفاق عليه في بعبدا، فبعض الأحزاب تطرح أموراً مهمّة لكنها لا تتابعها، كما هو حال ملف الإقتصاد الرقمي الذي من شأنه أن يوفّر حوالى 40 في المئة من الكلفة على الدولة اليوم، وباتَ مُنجزاً بمجمله لكنّه ينتظر التوقيع.

وحال مشروع الحكومة الالكترونية التي بات تمويلها جاهزاً، ولكنها أيضاً في انتظار القرار. ومن شأن هذا المشروع، على أهميته، أن يساهم في تقليص الفساد في إدارة الدولة والقضاء عليه.

 

  • تحدثتَ عن الآلية التنفيذية، فكيف يمكن تطبيقها على خطة الكهرباء؟

– في ورقة التيّار 3 عناصر أساسية: تحويل معامل الإنتاج من فيول الى غاز، تحسين الجباية بحدود 200 أو 250 مليار ليرة إضافية، وبالتالي ترتفع إيرادات موازنة 2020، ورفع الدعم عن قطاع الكهرباء بوضع تعرفة توازي الكلفة ربطاً بالإنتاجية.

  • لكنّ المبعوث الفرنسي المكلّف متابعة مؤتمر «سيدر»، بيار دوكان، كان واضحاً بوجوب رفع التعرفة بداية كانون الثاني

– هذا الموضوع سيأخذ حيّزاً كبيراً من النقاش، ودورنا في مجلس النواب سيكون أساسياً للدفع باتجاه إيجاد الحلول، كما هي الحال في موازنة 2019. على مجلس النواب أن يقوم بدوره باستقلالية تامة، في إطار التكامل الضروري بين المؤسسات الدستورية.

 

  • كيف ستؤمّن الإيرادات في الموازنة من دون ضرائب؟

ـ نشدّد على ضرورة وضع هذا الملف فوق التجاذبات السياسية وفوق «التَمريك» والتَشاطُر، وإلّا فنحن لن ننجح. لبنان ليس مُفلساً، وهذه السنة ارتفعت إيراداتنا 1,2 في المئة.

لبنان لن يغرق، وهو يملك كل إمكانيات النهوض. والوعي موجود لدى كافة الكتل، والكل يشعر بضرورة تَصفير المشاكل السياسية في البلاد لنتمكن من المعالجة إقتصادياً، والعبرة هي بالتنفيذ. لبنان ليس بحاجة للتنظير، بل لإجراءات عملية لا تحتمل التأويل.

الارادة السياسية مهمة، ولكنها تبقى شِعراً إذا لم تترافق مع الإجراءات التنفيذية.

 

  • ما هي قراءتك في مشروع موازنة 2020؟

– ما لَفتني هو ارتفاع مجموع خدمة الدين ليصِل الى 10.6 في المئة، ولقد توقفتُ عند هذا الرقم لأنّنا مَررنا بلا استقرار سياسي لا مثيل له، وشُلّت البلاد لمدة 40 يوماً. لذلك، فإنّ كلفة حالات اللاإستقرار السياسي باهظة الثمن على لبنان وماليته، وتبقى العبرة بضرورة تجنّب الخلافات السياسية.

كما لفتني ارتفاع قيمة معاشات التقاعد وتعويضات الصرف التي ناهزت 302.3 مليار ليرة، في ظلّ غياب أيّ توظيفات جديدة.

ولمعالجة هذه الأرقام، وجدنا «الدواء» في المادة 80 من موازنة 2019، وهنا نتحدّث عن وقف التوظيف ووقف التعاقد… وكل أنواع الاحتيال على التوظيف القانوني. كما لَحظَت الموازنة غياب أي اعتماد لتوظيف جديد.

 

  • الى أي مدى ستتمكن موازنة 2020 من تخفيض مستوى العجز؟

– في مجلس النواب أحتفظُ بأوراقي، كان العجز 7.59 في المئة ووصل الى 7.38 في المئة، وهدفي تحقيق تخفيض إضافي يصل الى نحو 300 أو400 مليار ليرة، إذا كان هناك من تجاوب.

وأريد التركيز على «النمو»، فهذه النقطة أساسية في اللعبة الإقتصادية، وبلادنا تموت لأنّ النمو يُناهز الصفر، فقد سجّلت النفقات الاستثمارية انخفاضاً الى 5.82 في المئة عام 2020، بعد أن كانت العام الماضي 6.83 في المئة، أي لا استثمار. وعموماً نحتاج الى زيادة النفقات الاستثمارية لنتمكّن من تحريك السوق، وذلك عبر المشاريع التي يموّلها البنك الدولي، والـ 11 مليار المرصودة من «سيدر».

ننتقل الى المنافع الاجتماعية، أي الجمعيات الوهمية، التي خفّضنا تمويلها الى النصف تقريباً. وفي هذا العام سنخفّض أكثر.

أمّا في الكهرباء، فأرى أنّ الخطوات الاصلاحية هي باتجاه التنفيذ، لأنّ هذا ما التزمته الحكومة اللبنانية والوزارة أثناء مناقشة 2019.

قراءة مختصرة: قطاع عام، خدمة دين، نمو، كهرباء، إدارات…

وبالتوازي مع إقرار الموازنة، نحن في حاجة الى قرارات وإجراءات، منها تسديد فواتير الكهرباء والاتصالات في الادارات والمؤسسات العامة، لأنّ هناك قسماً منها لا يُسدّد حتى الآن، وعلينا تحديد

حجم المبالغ العائدة للمتأخرات المترتبة على الدولة اللبنانية بُغية جَدولة تسديدها… وتحدّثنا أيضاً عن وضع جداول للهِبات الممنوحة وإخضاعها للرقابة، وإعادة النظر في جَدوى بعض المؤسسات العامة وأنظمتها، وإقفال المؤسسة التي هي من دون جدوى.

 

  • إذاً، الرقابة موجودة، لماذا لم يقفل أيّ منها بعد، كما هي حال التوظيف العشوائي؟

ـ ما فعلته الوزيرة مي الشدياق هو تعليق عمل بعض من وَردت أسماؤهم، علماً أنّه من المفترض انتظار صدور القرار القضائي. لكن في جميع الأحوال، إنّ صلاحية تحديد العقود تعود للوزارة، التي لها الحقّ بعدم تجديدها. وكلجنة نيابية قمتُ بواجبي وقدّمتُ تقريراً مفصّلاً عن الموضوع. إنّ ديوان المحاسبة هو الجهة القضائية المالية العليا، ولديه الصلاحيات القضائية، ومن مسؤوليته التدقيق بالتقرير المُرسل إليه من قبلنا، وإصدار قرار به. أنا كنائب لا أملك صلاحيات الفصل، لكن بإمكان الحكومة عدم تجديد العقود، واذا لم يتخذ أي قرار ستجرى جلسة عامة للمساءلة لنطالب بتطبيق القانون، لن أدخل في نقاش في هذا الموضوع، لكنّ ساعة التغيير حين تبدأ بالدوران لا يمكن إعادتها الى الوراء.

 

  • هل تلحظ موازنة 2020 أزمة الاسكان؟

ـ في اجتماع 9 آب أبلغنا حاكم مصرف لبنان أنّ هناك مبلغ 500 مليون دولار مرصود للاسكان كقروض إسكانية طويلة الأمد، الى جانب مبلغ 500 مليون دولار أخرى مخصّص للقطاعات المنتجة. إذاً، سيتم ضَخ حوالى المليار دولار في السوق، ما سيُحرّكها، إضافة الى المئة مليار التي أقرّها مجلس النواب. الأمر بدأ وسيَتفعّل أكثر مع الافراج عمّا تمّ إقراره.

  • ماذا بالنسبة لمسألة انقطاع الدولار من السوق اللبنانية؟

ـ هناك الكثير من التأكيدات والتعميمات صدرت، إن من مصرف لبنان أو من جمعية المصارف، تؤكد أن لا نقص في الدولار في الأسواق، لكنّ المعلومات التي تصلنا مختلفة، فقد سجّلت بعض الحالات التي لوحِظ من خلالها أنّ هناك نقصاً وبعض التَشدّد في مسألة التداول بالدولار، لكنه غير مُعمّم بشكل كبير، وهذا ما سنتابعه كجهات نيابية رقابية في الأيام المقبلة.