IMLebanon

معضلة منح جميع اللبنانيات الجنسية لعائلاتهنّ… إلى متى؟

 

ملفّات كثيرات من النساء اللبنانيات المتزوّجات من أجانب تنتظر في الأدراج حتى تقرَّ الدولة حقَ المرأة اللبنانية بمنحِ جنسيتها لأسرتها. في المقابل، تماطِل الدولة منذ أكثر من ثلاثين سنة في إعطائها هذا الحق، وسط مطالبات الجمعيات النسائية الملِحّة.

تقفُ وراء مماطلة الدولة أسبابٌ كثيرة، منها العقلية الذكورية التي لطالما ميّزَت بين الرَجل والمرأة وسَمحت له ما منعَته عنها، وأيضاً مخاوف عددٍ من الأفرقاء السياسيين اللبنانيين من فتحِ بابٍ سيُمكّن اللبنانية المتزوّجة من فلسطيني أو حتّى سوري (جنسيات نازحة إلى لبنان) من توطين زوجها وأولادها في لبنان.

التمييز على قدمٍ وساق

تزامُناً مع إطلاق حملة «جنسيتي حقّ لي ولأسرتي» للمطالبة بمنحِ المرأة اللبنانية الحقَّ بإعطاء الجنسية لأبنائها في إطار الـ 16 يوماً لمكافحة العنف ضد النساء، لفتَت الأنطار تغريدةٌ لرئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل على صفحته الرسمية عبر موقع تويتر، يؤكّد فيها: «العنف ضدّ المرأة ليس جسدياً فقط، بل يكون أخطرَ بسلبِ الحقوق… لمساواة المرأة والرَجل بحقّ إعطاء الجنسية للأولاد، ما عدا الدولَ التي تُشكّل خطرَ التوطين».

لم تمرّ هذه التغريدة على المطالِبات بحقوقهنّ مرورَ الكرام وأعادت صفحة «جنسيتي حقّ لي ولأسرتي» عبر فايسبوك نشرَ هذه التغريدة معلِّقةً: «عنجد شيء لا يَستدعي الرد. ولكن لعلّه يأتي يوم يكون مناسبة للاحتفال باليوم اللبناني لمكافحة العنصرية الباسلية ضدّ الإنسان».

الجمعيات ترفع الصوت… لماذا للرجل الحق؟

وسط انقسام اللبنانيين بين مؤيّد لإعطاء المرأة الحقّ في جنسيتها لأسرتها، ورافضٍ متمسّك بالعقلية الذكورية، وخائف من أيّ تغيير ديمغرافي تجلبُه هذه الخطوة، وداعٍ إلى استثناء بعضِ الجنسيات منها، تحدّثت «الجمهورية» مع رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية كلودين عون روكز التي تضمُّ صوتَها إلى صوت العديد من الجمعيات النسائية، وتؤكّد: «أنا مع المساواة التامّة بين الرَجل والمرأة. لا يمكن أن أعتبر المرأةَ أقلَّ مِن الرجل، ويجب أن تتمكّن من إعطاء الجنسية لأسرتها كما الرَجل مهما كانت جنسية زوجها».

يُذكر أنّ القانون في بلدنا يمنح الرَجل اللبناني المتزوّج من امرأة أجنبية مهما كانت جنسيتها حقَّ إعطائها وأبناءَها الجنسية اللبنانية، بينما يَحرم المرأة اللبنانية المتزوّجة من أجنبي هذا الحق مهما كانت جنسية الزوج.

وفي هذا السياق تضيف روكز: «أنا شخصياً لا يمكن أن أعتبر نفسي أقلَّ مِن الرَجل، فهو يمكن أن يتزوّج امرأةً من أية جنسية ومِن غير ثقافات ويعطي الجنسية لها ولأولاده».

وعن وضع الضوابط تقول: « يجب أن يُدرَس وضعُ أيّ ضوابط قانونياً لتوضَع بطريقة موزونة، ولكنّني أؤيّد أن تشمل الضوابط الرَجل والمرأة وليس فقط المرأة، فأنا مع المساواة التامة بين الرَجل والمرأة».

من جهتها، تعتبر منسّقة حملة جنسيتي حقّ لي ولأسرتي كريمة شبو في حديث لـ«الجمهورية»، أنّ «العنف القانوني فاضحٌ جداً ضدّ النساء، وهو مِن أكثر أنواع العنف الممارَس ضدّ المرأة وأسرتها». وتقول تعليقاً على تغريدة باسيل: «لا يمكننا التحدّث عن المساواة وقول «ما عدا»، فلا مساواة منتقصة ولا مساواة عنصرية».

وتتساءل: «أين خطر التوطين في منحِ المرأة اللبنانية الجنسية لأسرتها وعن أيّ توطين نتكلم؟. نحن نتحدّث عن حقّها فقط ولا نتناول ملفّات شائكة مِثل النزوح واللجوء». وتضيف: «نحن مع المواطنة الكاملة بدون أيّ استثناءات على صعيد الجنس واللون… فلا يمكن أن يكون الحقّ عنصرياً».

وتؤيّد رئيسة المجلس النسائي اللبناني إقبال دوغان كلامَ شبو وتوضح لـ«الجمهورية»: «إنّ استثناء بعضِ النساء من منحِ جنسيتهنّ لأسَرهنّ حسب جنسية الزوج يميّز بين امرأة وامرأة بعد أن كان التمييز بين رَجل وامرأة».

وتُشدّد: «ليس هناك من امرأة لبنانية يُشكّل أولادها خطراً على لبنان. ولا نَقبل بأن يتمّ الانتقاص من حقوق أيّ امرأة، لأنّ الدستور يعطي الحقّ للنساء كما يعطي الحقّ للرجال. نحن نطالب بهذا الحق لأنّنا لبنانيات وليس بناءً على هوية الزوج الذي تزوّجَته المرأة. أنا كلبنانية من حقّي أن أمنح جنسيتي لأبنائي».

هل المخاوف واقعية؟

ينتشر اعتقادٌ سائد في لبنان بأنّ «اللبنانية المقيمة والمتزوّجة من فلسطيني أو من سوري تسعى إلى إعطاء الجنسية اللبنانية لأولادها بسبب الظروف في بلدِها، بينما لن تهتمّ المهاجرة إلى الغرب أو المتزوّجة من أوروبي أو أميركي بمنحِ أولادها جنسية بلدها، ما سيعدّل ميزانية الأعداد بين الطوائف في حال تجنيس الفلسطينيين والسوريين دون غيرهم».

وفي هذا السياق تؤكّد عون روكز: «لقد بعثنا بكتاب لوزارة الداخلية نطلب فيه أرقامَ عددِ النساء المتزوّجات من أجانب حسب الجنسيات. فلنتمكّنَ من تفهّمِ المخاوف والتكلّمِ عنها يجب أن نحدّد الأرقام، وربّما نكتشف أنّ هذه المخاوف ليست مبنيةً على ما هو واقعي».

في لبنان كما في الخارج!

لا يقتصر التمييز ضد المرأة على اللبنانية المقيمة بل إنّ الدولة أوصلت صداه إلى من ترَكنَ البلد وهاجَرن منذ سنوات إلى دولٍ تحترم الإنسانَ مهما كان جنسه أو عرقه. فحتّى إقرار لبنان قانونَ استعادة الجنسية لأبناء الآباء والأجداد اللبنانيين في العالم، لم يلحَظ وجود أولادٍ مِن أمّ لبنانية في الخارج.

وتؤكّد عون روكز: «لدينا الكثير من طلبات الجنسية قدّمتها نساءٌ متزوّجات من شتّى الجنسيات، هناك فلسطينيون وسوريون ولكن هناك الكثير من النساء المتزوّجات من أوروبّيين وأميركيين، وجميعهنّ يُعانين الإجحاف». وتروي: «بعض العائلات تركت لبنان وتزوّج أبناؤها وبناتها من أجانب.

الرَجل الذي تزوَّج أجنبية لا يأتي إلى لبنان أبداً ومنحَ أولادَه الجنسية، أمّا البنات اللواتي تزوّجنَ أجانب فيقصدنَ لبنان مع عائلاتهنّ باستمرار وأولادهنّ غير لبنانيين، وهذا غير عادل. كما أنّ الكثير من النساء اللبنانيات متزوّجات من أوروبّيين يَقطنَّ في لبنان مع عائلاتهنّ ولا يحقّ لهم الحصول على الجنسية، ويُحرَمون من الكثير من الحقوق المدنية، وهذا ظُلم».

الدول العربية سبقتنا

حملة «جنسيتي حقّ لي ولأسرتي» انطلقَت منذ سنوات في لبنان وفي العالم العربي أيضاً، ولكنّ الدول العربية مِن حولنا كانت أكثرَ تجاوباً، إذ تمكّنَت الحملة من تعديل القوانين في عددٍ مِن الدول العربية حيث كان يصعب تعديلها.

تونس مثلاً أقرّت حقَّ المرأة المتزوّجة من أجنبي بمنحِ الجنسية التونسية لأسرتها منذ العام 1993، أمّا القانون الجزائري فأعطى النساءَ الجزائريات الحقَّ المطلق بمنحِ جنسيتهنّ إلى الزوج الأجنبي والأبناء والبنات وبأَثرٍ رجعي منذ العام 2005، والمغرب منذ العام 2007.

ويَمنح العراق جنسيتَه لمن وُلِد لأبٍ عراقي أو أمٍّ عراقية، بالإضافة إلى ليبيا والسودان. وحتّى مِصر التي استقبلَت على أراضيها جزءاً من فلسطينيّي الشتات وتتمسّك بمبدأ حقّ العودة، تمنح الجنسية لأولاد المصريات المتزوّجات من أجانب، فمتى ينضمّ لبنان إلى قافلة هذه الدول المجاورة رافعاً التمييزَ والظلم عن النساء؟