IMLebanon

الأنظار مشدودة الى 11 تشرين

يرتدي العقد العادي للمجلس النيابي الذي يبدأ هذه السنة في 11 تشرين الاول المقبل، أهمية استثنائية نظرا الى الاستحقاقات التي تنتظر انعقاد الجلسات التشريعية لإقرار قوانين حيوية، اذا تعرقل إقرارها ستكون النتائج كارثية على المستوى الاقتصادي والمالي.

في تقريرها الأخير لم تبدّل وكالة ستاندرز اند بورز العالمية تصنيفها الائتماني للبنان وأبقته على (B-)، مع تحسين النظرة المستقبلية من «سلبية» الى «مستقرة».

لم يحظ التصنيف باهتمام كبير من قبل المراقبين، وتم التعاطي معه على أساس أن لا جديد يُذكر فيه. ومع ان البعض توقف عند نقطة تغيير «النظرة المستقبلية» الى مستقرة، وهذا تطوّر ايجابي، الا ان النقطة الأهم تكمن في مكان آخر. قبل صدور التصنيف الجديد ببضعة اسابيع، كان احتمال خفض التصنيف الائتماني للبنان وارداً، انطلاقا من الوضع المالي العام في البلد.

وكانت مستويات احتياطي العملات في مصرف لبنان التي هبطت تدريجيا، بدأت تلفت المؤسسات المالية الدولية، وتؤثر على الثقة بالمستقبل المالي على المدى المتوسط. وقد أدرك حاكم مصرف لبنان رياض سلامه بحنكته وخبرته، خطورة هذه الاشارات التي قد تتم ترجمتها في خفض التصنيف، وبالتالي إلحاق خسائر فورية بالمالية العامة للبلد، وبالوضع الاجتماعي المستقر، لأن اسعار الفوائد كانت ستشهد قفزة بنسب موجعة في هذه الظروف.

بالاضافة الى ذلك، لاحظ سلامة أن وتيرة تدفّق الاموال الى البلد تتراجع، وقدرة المصارف على تكبير حجم الودائع تنحسر.

استشعر حاكم المركزي الخطر، وقرّر التحرّك في الاتجاه المعاكس، وأطلق ما يُعرف بالهندسات المالية لتدعيم الوضع المالي واستعادة الثقة. هذه الهندسات التي تقوم على مبدأ جذب العملات الى المركزي، والى المصارف أيضا، من خلال عمليات استبدال (Swap)، أدّت الى تدفّق العملات من الخارج، وزيادة حجم السيولة بالليرة في الداخل، أعطت نتائج جيدة، من ضمنها ان وكالة S&P لم تكتف بالتراجع عن احتمال خفض تصنيف لبنان، بل انتقلت الى تحسين النظرة المستقبلية للوضع الائتماني للبلد. وهذا يعني باللغة المالية العالمية، الحفاظ على مستويات مقبولة من الثقة، والاستثمار في السندات اللبنانية.

من هنا، من غير المنطقي تقييم مسألة الهندسات المالية التي نفذها مصرف لبنان على اساس السؤال التالي: كم كانت كلفة هذه الهندسات؟ بل ان التقييم ينبغي ان ينطلق من السؤال التالي: ماذا كان سيحصل لولا هذه الهندسات؟

بالمناسبة، لا بد من الاشارة الى ان «الارباح» التي حققتها المصارف جراء المشاركة في هذه الهندسات، سوف تذهب بعد فترة محددة، وفق توجيهات المركزي، لدعم محفظة المؤونات لتحسين صورة القطاع في الخارج، والتماهي مع متطلبات مالية دولية جديدة.

أما مسألة الارباح السريعة التي حققها متمولون كبار جراء مشاركتهم الكثيفة في شراء شهادات الايداع وسندات الدين بالدولار، فهي حقيقة لا يمكن التنكّر لها، كما لم يكن ممكناً حجبها عن هؤلاء، على اعتبار ان قسماً من الاموال الخارجية التي تم جلبها الى لبنان لإنجاح الهندسات المالية، جاءت من قبل هؤلاء، وبعضهم من الوجوه السياسية المعروفة، ويملكون الثروات في الخارج.

اليوم، استقرت الاوضاع المالية لفترة، لكنها ليست فترة مفتوحة زمنياً، والاستحقاقات التي تواجه البلد صعبة ومعقدة، من ضمنها حالياً مسألة نمو الدين العام، ووصوله الى حوالي 74 مليار دولار، وانكشاف المالية العامة على تعقيدات ترتبط بتراجع الايرادات وارتفاع الانفاق، بما يعني ان وتيرة نمو الدين العام سوف تكون أسرع في الحقبة المقبلة.

ومع التقديرات المتعددة الأطراف في شأن نمو متواضع جدا للاقتصاد، في السنتين المقبلتين، لن يتجاوز في احسن الحالات الـ1 في المئة، فهذا يعني العودة الى دوامة حجم الدين قياسا بحجم الاقتصاد الوطني، وهو من المؤشرات المالية المعتمدة عالمياً، والتي تؤثر حتماً على مستويات الثقة الخارجية بالبلد.

حاليا، تبدو الانظار مشدودة الى مجلس النواب الذي يبدأ دورته العادية في 11 تشرين الاول. هناك لائحة طويلة من القوانين التي يحتاجها الاقتصاد الوطني للصمود، من ضمنها قوانين قد تساعد على جذب اموال من الخارج، يحتاجها لبنان في هذه الحقبة. لكن القلق المُبرّر يكمن في احتمال الافادة من الدورة التشريعية واستسهال فرض ضرائب جديدة، من دون دراسات وافية حول النتائج، بما قد يزيد الأزمة تعقيداً على المدى الأطول.