IMLebanon

كيف سيحكم عون بتفاهماته؟

أجرى رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون سلسلة تفاهمات مع المكوّنات السياسية الأساسيّة وقد فهم منها البعض أنها عوامل مساعِدة لإنتخابه رئيساً، فيما الحقيقة أنّ هذه التفاهمات ستكون ركائز أساسية للعهد الجديد بل صمّامَ آمانٍ لا يمكن لعون أن يحكم من دون الرجوع إليها. علماً أنّ لكلّ تفاهم عنواناً ومضموناً يختلف عن الآخر.

من المتوقع أن يبدأ عون عهده الجديد في 1 تشرين الثاني المقبل إذا مرّت الجلسة الرئاسية كما يشتهيها، فتقوم الكتل الرئيسية الكبيرة بانتخابه معتمدة على تفاهمات واتفاقات ثنائية بينها وبين «التيار الوطني الحر».

ثلاثة عناوين بارزة كرّسها عون لعهده من خلال تفاهماته. العنوان الأول هو «تحصين حقوق المسيحيين» مع «القوات اللبنانية»، الثاني «تنفيذ اتفاق الطائف» مع تيار «المستقبل»، والثالث «الاعتراف بدور المقاومة ضد إسرائيل» مع حزب الله.

يُعتبر «تفاهم معراب» من «عدّة الشغل» الأساسيّة لعون الرئيس، فهو أقدم من خلاله على تحصين أوضاع المسيحيين وحقوقهم، يحميهم من كلّ مَن يسعى إلى تهميشهم أو حشرهم في «عنق الزجاجة». ولن يكون مستغرَباً أن يُشهر عون سيف «تفاهم» معراب» في وجه كلّ مَن يخرق العرف والتقليد، ولمَن لا يحترم الشراكة والتمثيل السياسي للطوائف، فترشيح أيّ شخص لا يُمثّل لدى المسيحيين من الطوائف الأخرى لن يمرّ في عهد عون بل سيشكّل إهانة للمسيحيين.

وستقف «القوات» إلى جانب الرئيس العتيد في الملفات الحيوية التي تخصّ المسيحيين، إذ تجمعهما الهواجس المسيحيّة التي باتت تشكّل خطاً أحمر، وسيبقى هذا التفاهم وسيلة لإستعادة الحقوق المصادَرة، ما سيؤدي إلى تغيير في الكثير من المعادلات السياسية وفي خريطة التحالفات ولا أحد قادر على معرفة إلى أين سيصل وما هي نتائجه، وماذا سيحصد مسيحياً على صعيد الاستحقاقات الانتخابية في المرحلة المقبلة.

ومن الثابت أنّ عون الرئيس سيعتمد على تفاهم معراب من أجل تصحيح التمثيل المسيحي في كلّ مواقع الدولة وصيانة الحقوق والحفاظ على الدور ثمّ الإنطلاق نحو الشريك لإعادة الإنتظام العام إلى الحياة السياسية من دون هيمنة فريق على آخر.

العنوان الثاني لتفاهم عون والحريري كان «تنفيذ اتفاق الطائف» وهو عنوان يتضمّنه أيضاً «تفاهم معراب»، لكنه شكّل عصب التفاهم بين «المستقبل» و»التيار الوطني الحر»، بل لم يقبل الحريري بعون رئيساً لولا هذا التعهّد، وقد أدى التفاهم بين الرجلين إلى توضيح ما كان مبهماً

في مواقف عون من «الطائف»، فهو لم يكن ضد «الطائف» بمعنى الإصلاحات ولكنّ القلق كان في البند المتعلق بانسحاب الجيوش الأجنبية في لبنان، بل سيسعى عون من خلال تفاهمه مع الحريري إلى تطبيق «الطائف» من دون اجتزاء، بل نال الحريري وعداً من عون بأنه لن يطرح أيّ تعديل على النظام قبل إجماع وطني من كلّ اللبنانيين. لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف لعون أن ينفّذ ما عجز عنه كلّ مَن سبقه من الرؤساء منذ العام 1990؟

من المسلّم به أنّ ظروف عهد عون ستكون أكثر ملاءمة لتنفيذ «الطائف»، فهو رئيس له صفة تمثيليّة قويّة في بيئته المسيحيّة وسيعمل في بلد مُحرَّر نسبياً من الجيوش الغريبة، وهو متفاهم مع أكثرية المكوّنات الأساسية ومن بينها «حزب الله». ولا شك في أنّ الحريري سيوظّف علاقاته الخارجية لمساعدة عون على تنفيذ «الطائف»، وتحصين لبنان في مواجهة شظايا حرائق المنطقة وإدخاله حقبة جديدة تتماشى ومرحلة التسويات

المقبلة على دول الجوار. وأهم ما سيفعله عون بالتعاون مع الحريري في رئاسة الحكومة المحافظة على «الطائف» وعلى عروبة لبنان ونهائية الكيان وإرساء النظام البرلماني الديموقراطي، كما سيعملان على إطلاق الاقتصاد وتحييد لبنان كلياً عن الأزمة السورية.

العنوان الثالث هو «الاعتراف بدور المقاومة ضد إسرائيل» وهذا ما شكّل المدماك الأساسي لتفاهم عون مع «حزب الله». فشعور «الحزب» بالإطمئنان حيال عون ينطلق من هذا الاعتبار الذي أثبته عون خلال حرب تموز 2006 في وقوفه إلى جانب «الحزب» في حربه مع إسرائيل.

منطقياً، كان من الصعب أن يحظى عون بقبول «حزب الله» في مساعدته للوصول إلى الرئاسة لولا وثيقة مار مخايل» وتثبت «الحزب» من أنه لن يخذله بتاتاً ولن يشكّل له عائقاً في مشاركته في حروب المنطقة. قد يكون هذا الملف الأكثر دقة وحساسيّة بالنسبة إلى عون الرئيس ومدى مرونته مع «حزب الله».

لكنّ وثيقة مار مخايل ستكون حاضرة دائماً في قصر بعبدا، وسينال عون من «الحزب» كلَّ تعاون في أيّ ملف سياسي ما عدا مسألة تسليم السلاح أو العودة من سوريا في إنتظار الوصول إلى تسوية على الصعيد الإقليمي. أما ما هو مؤكد أنّ عون لا يرى مشكلة في سلاح «الحزب» ما دام موجهاً ضد إسرائيل، وهذا ما قامت عليه وثيقة مار مخايل والباقي يحتاج إلى حلول قد لا يملك عون مفاتيحها في الوقت الحاضر.

ويبقى السؤال: هل سيكون تعاطي عون مع الأحداث بعقلية الإنقلابي ورقة يستفيد منها «حزب الله» ضد خصومه أم سيستفيد منها «المستقبل» و«القوات» ضد «الحزب» الذي يقف حجرَ عثرة بسلاحه غير الشرعي أمام مشروع بناء الدولة؟

ما اكتشفناه في عون أخيراً أنه يستطيع أن يتصرّف بعقلانيّة من أجل الوصول إلى أهدافه، وهو اتّخذ سلوكاً هادئاً ومتوازناً في تعاطيه مع مختلف المكوّنات الأساسية وبنى معها تفاهمات، فهل يستمرّ في عهده الرئاسي على هذا المنوال مستخدِماً تفاهماته للمحافظة على الاستقرار؟