IMLebanon

ساعات الحرب الخمس بين طهران وتــل أبيب: “هندسة أميركية” ناجحة!

 

تحتمل العملية التي نفّذها الحرس الثوري الإيراني ليل السبت – الاحد الماضي في اتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة كثيراً من القراءات المتناقضة. وهي تتراوح بين اعتبارها «مسرحية» في الحدّ الأدنى، وصولاً الى اقصى ما يمكن إعطاؤها من أبعاد أخرجت طهران من مدار «الصبر الاستراتيجي» الى مرحلة «الردّ المباشر»، متجاوزة العوائق الديبلوماسية والعسكرية التي واجهتها. وجاءت لتمحو كل صفات التردّد التي تلت مسلسل العمليات التي استهدفت القادة الإيرانيين في الداخل والخارج. وهذه عينة منها؟

 

كان من الطبيعي أن تظهر مجموعة النظريات المتناقضة بما حملته من مواقف وسيناريوهات تحاكي ما رافق العملية العسكرية للحرس الثوري الإيراني على مدى خمس ساعات بواسطة قواته الجوية بمختلف أصنافها الصاروخية التقليدية والباليستية والمسيّرات، وما انتهت إليه من نتائج. ولذلك تحولت مادة للنقاش تستحق كثيراً مما يُقال لمقاربتها من مختلف الزوايا التي أحاطت بها ولفترة قد تمتد لفترة طويلة، في انتظار أي جديد يمكن أن يكشف ما رافقها من اتصالات وتحذيرات وضغوط ومعها التفاهمات المسبقة التي سبقت القيام بها وتحكمت بمجرياتها بدقّة متناهية.

 

والى الملاحظات السريعة التي تلت انتهاء العمليات، لا بدّ من الاشارة اولاً الى انّها الحرب الاولى من نوعها التي حظيت بالتغطية الاعلامية المباشرة على الهواء، بفعل التقنيات التي يمكن استخدامها إعلامياً، وسمحت بمواكبة مسارات الصواريخ والطائرات المسيّرة من مواقع إطلاقها حتى أهدافها. ولذلك فقد ألغت القنوات الفضائية العالمية برامجها العادية وخصّصتها لهذه الغاية، فأبقت العالم متيقظاً لمتابعة وقائعها بمواكبة من خيرة التقنيين والخبراء العسكريين الذين قدّموا شروحات تفصيلية لأنواعها، وما حملته من رؤوس متفجّرة وما يمكن ان تحققه من اعمال القتل والتدمير.

 

وبالإضافة الى هذه المعطيات، توقفت مراجع ديبلوماسية وعسكرية متخصصة امام العملية بهدف تفسيرها وقراءة الخلفيات الكامنة وراءها من مختلف الجهات الداعمة والرافضة، وتلك التي تحكمت بمجرياتها بطريقة مسبقة، في انتظار التثبت من بعض المؤشرات التي تمّ التوصل إليها وميزتها عن سابقاتها من العمليات العسكرية.

 

وعليه، فقد عبّرت هذه المراجع عن مجموعة من المؤشرات التي لا بدّ من التوقف عندها، ولا سيما منها تلك التي اعطت صورة واضحة عن الدوافع التي قادت اليها، والظروف التي رافقتها وما عبّرت عنه من قدرات يمكن ان يستخدمها طرفا النزاع والدول والجهات التي تدعم كلا منهما متى اتخذ هذا النزاع من أشكال سياسية وديبلوماسية وعسكرية واقتصادية سخرت لها. والتي يمكن تحديدها كالآتي:

 

-على المستوى العسكري، فقد أثبتت العملية انّه لم يعد هناك من حدود تحول دون حصول أي نزاع او حرب بين دولتين او قوتين، على رغم من وجود آلاف الكيلومترات الفاصلة بين أراضيهما، وهي لم تعد تشكّل عائقاً لإعلان الحرب بينهما. وطالما انّ هناك قدرات لتنظيم الخطوط الجوية امام حركة الطائرات المدنية يمكن تصفيرها في ساعات قليلة لتتحول مسارات للصواريخ والمسيّرات العابرة للقارات، أدّت الى تشكيل جبهات عسكرية مباشرة ومتقابلة بدقة متناهية.

 

– اما على المستوى التقني، فقد اثبتت ايران انّها باتت كما كل القوى العظمى قادرة على امتلاك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ولم تعد حكراً على عدد قليل من الدول العظمى التي قدّمت في العقود الماضية عروضاً مماثلة تجلّت بما سخّر من اسلحة بعيدة المدى تتمتع بقدرات تدميرية هائلة ويمكن ان تصيب اهدافها بدقّة في حروب سابقة كان آخرها تلك التي خيضت في العراق وافغانستان منذ بداية القرن الحالي وصولاً الى آخر الحروب الكبرى التي شنّتها روسيا على أوكرانيا.

وبعيداً من هذه الملاحظات التي يمكن اعتبارها سطحية وبسيطة، لا بّد من التوقف أمام العوامل الديبلوماسية الدولية وحركة الاتصالات التي سبقتها من ألفها إلى يائها من دون عناء البحث عن القوة التي تحكّمت بمجرياتها ورسمت لها حدوداً بطريقة مسبقة للحدّ من نتائجها ومنعها من أن تتسبب بالحرب الكبرى التي لم تعرفها المنطقة بعد. وفي ظل الصمت الروسي والصيني تجاه ما حصل، لا يمكن تجاهل الدور الأميركي الذي ظهر جلياً في الأيام والساعات التي سبقتها ورافقتها وتلتها، انطلاقاً من الإعتراف بالدور الذي لعبته حفاظاً على نوع من التوازن المطلوب على المستوى الدولي والحؤول دون تقديم ما يوحي بالحرب الكونية الثالثة، على رغم من عدد الدول التي شاركت فيها وتلك التي تورطت عن طريق دعم القوى المنخرطة فيها.

 

عند هذه النقاط المحدّدة يعترف الخبراء العسكريون ومعهم الديبلوماسيون المنخرطون في حركة الاتصالات، أنّ الولايات المتحدة لعبت دور «مهندس العملية» لإبقائها في الإطار الذي يمكن استيعابه، منعاً لأي انفلات كان متوقعاً بين لحظة واخرى إن أخطأ اي طرف من طرفي النزاع او تسبّب بـ«دعسة ناقصة» لا يمكن لجم ما يمكن أن تنتهي إليه في لحظة ما. فاستوعبت الإصرار الإيراني على القيام بالعملية في شكلها ومضمونها وتوقيتها الذي أرجأ ساعة الصفر الخاصة بها لأيام قليلة لا تتعدى الاربعة، بما رافقها من رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران عبر القناتين السويسرية والعمانية المفتوحة بينهما وربما عبر عواصم أخرى بطريقة غير معلنة.

 

وما هو ثابت لدى المراجع الديبلوماسية والاستخبارية، أنّ العملية في نظر واشنطن انتهت صباح الأحد الماضي، بعدما كُشف عن رسالة أميركية متشدّدة وجّهت الى تل ابيب قالت فيها ما مفاده «إنّ توجهكم الى أي عملية رداً على الردّ، عليكم ان تخوضوها لوحدكم ولن نكون لا نحن ولا حلفاءنا الى جانبكم». وهو أمر يمكن تصديقه إن قيست مفاعيل الضغوط الاميركية بنتائج المواجهة مع الصواريخ والمسيّرات الايرانية التي عطّلتها القدرات الاميركية بما يزيد على 60% منها، فيما تولت بريطانيا وفرنسا والاردن نسبة الـ 20% منها فتكفلت اسرائيل بنسبة الـ 10% المتبقية، فتوزع حطامها في دول ومناطق أبعدتها عن المجال الجوي الاسرائيلي.

 

عند هذه الملاحظات يمكن القول بصريح العبارة إنّ ما جرى حتى الآن في شكله ومضمونه خدم الجميع. وإن كانت القيادة الإيرانية أحيت العصب الفارسي في مجتمعها فإنّ إسرائيل توحّدت حول موقف حكومتها وتوقفت الاحتجاجات على خياراتها، كما استعادت العطف الدولي وتجاوزت مرحلة الإدانة لما قامت به في قطاع غزة من فظائع، لتبقى النتائج الكارثية على الغزاويين الذين أحصوا أمس ارتفاع عدد شهدائهم الى 33795 شهيداً وارتفع عدد الجرحى الى ما يقارب الـ 80 الفاً والمفقودين الى ما يزيد على 13 ألفاً في انتظار ما تحمله الأيام المقبلة من تفضيل الحكومة الاسرائيلية الردّ على ايران او استعجال العملية في رفح، إن لم تصح التسريبات التي تحدثت عن تفاهم سياسي كبير بدأ يتبلور بين واشنطن والرياض ومعهما أكثر من عاصمة متورطة في المعالجات الجارية.