IMLebanon

سَنة أخيرة لـ«داعش» وعودة الحماوة السياسية

يتحدّث العديد من الديبلوماسيين الغربيين بتفاؤل عن العام 2016. يقولون إنّه سيكون عاماً مصيرياً ومنعطفاً أساسياً من تاريخ المنطقة، على رغم إقرارهم الواضح بأنّ المشاكل الموجودة لا تزال كبيرة، وفي العديد من جوانبها خطيرة.

لكنّ الرأي الغالب هو في أنّ قطار التسويات قد انطلق، ولو أنه لا يزال في محطاته الأولى، لكنّ الأهمّ أنّ تفاهماً ساد بين القوى الكبرى المؤثرة والداعمة للأطراف المتحاربة بالدخول في مرحلة بداية النهاية مع عدم إغفال أنّ هذه المرحلة قد تَطول بعض الشيء.

وتكشف أوساط ديبلوماسية مطّلعة أنّ القضاء على «داعش» في المنطقة قد يستغرق سنة 2016 بكاملها، لأنّ لهذا التنظيم دوراً لم ينتهِ بعد، مِثل إنضاج المفاوضات الدائرة، كما كان دوره خلال المراحل الماضية إنضاج الظروف الميدانية والسياسية التي دفعَت بالجميع الى طاولات التفاوض وفق شروط معقولة و»عملية».

أخيراً، وتحديداً بعد هجمات باريس الإرهابية، أعلنَت فرنسا عن إرسال حاملة طائراتها الوحيدة «شارل ديغول» إلى البحر المحاذي لشاطئ الشرق الأوسط، وعن زيادة وتيرة قصف طائراتها الحربية. وتحدّثَ الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن حتمية اقتلاع هذه المجموعات الإرهابية.

لكنّ رئيس أركان الجيش الفرنسي كان أكثرَ وضوحاً في مقاربته لهذا الملف، فقال إنّ ضربَ تنظيم «داعش» نهائياً قد يستغرق بعض الوقت، لكنّ وزير الخارجية الاميركي جون كيري الذي يتولّى في هذه المرحلة الإشراف على مشروع إعادة إنتاج شرق أوسط جديد، كان الأكثر صراحةً على الإطلاق حين قال إنّ تنظيم «داعش» سيستمر إلى حين الاتفاق السياسي الكامل. إذاً الصورة أصبحت أكثرَ وضوحاً للشرط المطلوب لإنهاء وجود هذا التنظيم.

في الرمادي العراقية، أخذت الحملة العسكرية الناجحة وقتاً كثيراً لإنضاجها من الناحيتين السياسية والعسكرية، وأعطيَ دورٌ للقوى السُنّية من خلال عشائر المنطقة بما يَضمن حضورَها السياسي في المرحلة المقبلة.

وفي الفلّوجة التي ستكون الهدفَ العسكري التالي، لن تكون العناوين الكبرى مختلفة. وتكفي الإشارة إلى «الأخطاء» التي تحدّثت عنها قيادة القوات الجوّية للتحالف بعد استهداف مواقع للجيش العراقي والتي كانت حقيقةً رسائلَ ميدانية صارمة لمنعِ هذه القوات من التقدّم في اتّجاه الفلّوجة إلّا بعد إعطاء مساحة عسكرية للعشائر السنّية في المنطقة.

في سوريا، يُحقّق الجيش السوري مدعوماً من حلفائه من «حزب الله» والقوى الأخرى نجاحات ميدانية متتالية منذ انفضاض جولة المباحثات الأخيرة. وتمكّنَت القوى العسكرية الموالية للنظام من قضمِ العديد من المواقع المهمّة في ريف حلب الجنوبي ودرعا وريف حمص واللاذقية.

لكنّ الأهداف المرسومة لا تزال كثيرة، ويبقى أبرزها على الإطلاق جسر الشغور حيث نشرَت «جبهة النصرة» مقاتلين من كلّ الجنسيات، بما فيها من الصين، ولا حاجة للتذكير بأنّ أعداداً كبيرة من هؤلاء انتحاريون.

أمّا حلب التي استقبلَ ريفُها الجنرال قاسم سليماني في تأكيد على النجاحات التي تحقّقت حتى الآن، فإنّ السيطرة الكاملة خصوصاً في الريف الشمالي لحلب قد تبدو صعبة بسبب كلفتها المرتفعة. والواضح أنّ النظام يسعى لربط مناطق نفوذه جغرافياً.

وفي التفاهمات الاخيرة حول الزبداني وكفريا بدا للبعض أنّ الهدف الفعلي هو إنجاز المناطق الصافية، لكنّ الديبلوماسيين الغربيين يقولون إنّ عواصم بلادهم التي تراقب عن كثب وبشكل دقيق ما هو حاصل، ليست موافقة بعد على فرزٍ كامل وإنشاء مناطق صافية ومترابطة بعضها ببعض.

وانطلاقاً ممّا تقدَّم، فالواضح أنّ كلمة الميدان لم تنتهِ بعد لدى كِلا الطرفين، وأنّ جولات عنف عديدة ستَظهر خلال السنة المقبلة، وقد يكون ذلك ما بين جولات التفاوض السياسي وصولاً إلى قبول الجميع بالأمر الواقع، وعندها فقط يُزاح كابوس «داعش».

أمّا لبنان فلن يشذّ عن المسار العام للمنطقة، فبَعد الضربة التي تَلقّتها مبادرة الرئيس سعد الحريري الرئاسية، يستعدّ تيار «المستقبل» لتنفيذ سياسة متشدّدة هدفُها أوّلاً إعادة ضبط الشارع السنّي واستيعابه، وثانياً استعادة التوازن السياسي، خصوصاً أنّ الرئيس سعد الحريري بدا وكأنّه «وهبَ» نقاطاً إلى الفريق المقابل مجّاناً.

وجاءت كلمة الرئيس فؤاد السنيورة في ذكرى استشهاد الوزير السابق محمد شطح واضحةً في هذا الاتجاه، وكذلك الرسائل التي رافقَت حضور رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وحتى طريقة استقباله من مناصري «المستقبل» التي كانت مطلوبةً من المشرفين على تنظيم المناسبة.

لكنّ التشدّدَ السياسي لا يعني حكماً عودةَ الأمور الى نقطة الصفر، بل إنّه بديل عن جولات العنف الميدانية في سوريا، أي مواجهات سياسية وتشَدُّد في انتظار إعادة فتحِ النقاش السياسي الجدّي في شأن «التسويات» الرئاسية والتي لا يزال الحريري يُعوّل على تحقيقها في إطار الصفقة الإقليمية الشاملة، وليس أبداً وفقَ «سلّة شروط» داخلية تتضمّن قانوناً جديداً للانتخابات، والمحكمة الدولية وعمل المقاومة على ما يعتقد وفق أوساط قريبة منه.