IMLebanon

بالحب وحده يحيا الإنسان

 

عندما ينعدم اليقين في العالم تتعاظم الهواجس والكوابيس ويتحكّم العدم بالوجود المضطرب الغارق في الندم والأسى وغير القادر على تأمّل واستشراف ويلات وأوجاع وأحزان الأيام المقبلة، ويقع الفرد في الانعزال فريسة الريبة والتوهم والخوف من الوباء، وتكثر التساؤلات وتنعدم الإجابات ويستغرق الفرد المستوحش بالمراجعات والمشاهدات ويهيم في متاهات الذاكرة الشديدة الاضطراب، يبحث عن آدم سعيد ووجوه عرف معها الدفء والأمان في أمسه القريب والبعيد يكسر من خلالها وحشة عزلته الشديدة الغموض والارتياب من قادم الأيام.

 

عندما ينعدم اليقين تصبح كل ابتكارات أجيال الثورة التكنولوجية الرابع والخامس والسادس ومعها تجليّات التطوّر الصناعي التي تحوّلت مع الوباء المجهول الى أوهام بأوهام وانكشف معها جهل غوغل والويكيبديا وحماقة الهاتف الذكي الذي جعلنا نتوهم بأننا قد أصبحنا عباقرة أو علماء بكل صغيرة وكبيرة في هذه الحياة ولدينا إجابة على كل سؤال حتى جاء الوباء وعمّ الجهل وانعدم اليقين وخلت المدن والساحات والطرقات وانكفأت الناس وأقفلت المدارس والجامعات والمطارات والفنادق وأماكن التجمعات وأصبح القادة الكبار دونكيشوتات صغار يحاربون طواحين الهواء.

 

عندما ينعدم اليقين تتهاوى دول الأقوياء قبل دول الضعفاء وتتبدّد الأساطير والروايات عن أوهام الخمسة الكبار صنّاع الحرب والسلام والدول الصناعية السبع والدول العشرين أصحاب الاقتصادات الكبار واتحادات القارات والشعوب والأحلاف العسكرية والدول النووية والطامحة والتي جعلها الوباء تقف عاجزة مكشوفة عارية أمام شعوبها والبشرية جمعاء ومعها منظومة الأمم المتحدة وأدواتها الجوفاء التي تمعن في الشكوى والبكاء على سبعة عقود ونصف من الخروج على أصل الوظيفة في حفظ أمن وسلامة الإنسان والامعان بالإنشائيات والترف والتكيّف مع عدم جدوى منظوماتها الإغاثية والمعرفية الثقافية والإنمائية والأمنية المتماهية مع ضرورات الكبار على حساب المستضعفين من الصغار والفقراء.

 

عندما ينعدم اليقين تتساقط كأوراق الخريف كل معاني ومفردات ومصطلحات العالمية والعولمة والأسواق التنافسية والتي قدّمت سلامة البورصات والأوراق المالية على سلامة الإنسان، وعندما ينعدم اليقين يظهر عمق الخواء في المذاهب الفكرية والفلسفية والاجتماعية والإبداعية الأدبية والفنية التي استسلمت منذ عقود طوال لتيارات التعصب والغوغائية الغيبية حتى أصبح المفكرون والفلاسفة وعلماء الاجتماع والروائيون والشعراء مع ظهور الوباء كالأدوية المنتهية الصلاحية غير القادرة على معالجة تداعيات عزلة الإنسان الموحشة، حيث تتداعى الصناعات الفنية على شاشات الخيال الاجتماعي والعلمي والافتراضي الأرضي والفضائي والتي فشلت في تصوّر كيفية خروجنا من لحظتنا الجائحة والقاتلة والمدمرة لكل قواعد انتظام العلاقات الإنسانية الوجودية التعاقديّة ومعها معايير الإبداع العلمي والصناعي والأدبي والفني بعدما أصبح العدم يتحكم بالوجود وتعاظمت الهلوسات والتهيؤات.

 

عندما ينعدم اليقين ويطول انعزال الأفراد تتغيّر الضرورات والأولويات والأقرباء والأصدقاء والاهتمامات والمتابعات، وتتلاشى مشاعر الرغبة وعدم الرغبة ويقف القلب على حافة هاوية الحقد والكراهية بعدما تعمّقت المسافة بين شغف الإنسان بالآخر الإنسان، ومع انعدام اليقين بتنا نتلمس الطريق كالنعاج نحو الماء والغذاء وأدركنا من جديد أن بديهيات حياة الإنسان هي في الحب والشغف والعناق والانعتاق والحبيبات والأحباب وتأوهات الليالي وصخب الأنوار وأصوات المنشدين والمنشدات والأفراح وبأن نطفئ الشموع عاماً بعد عام بمودة وانسياب.

 

عندما ينعدم اليقين ويعمّ الوباء وتضيق وتتقلص الأحلام والطموحات حينها سيعرف الكبار والصغار أنه بالحب وحده يحيا الإنسان.