حين أُقرت وثيقة الوفاق الوطني التي عرفت باتفاق الطائف التي بموجبها تم تعديل ثلثي مواد الدستور اللبناني، أرفق الاتفاق بالعبارة الشهيرة «أوقفنا العَدّ». ومعناها أن الطائف هو الدستور، وأي تغيير في الدستور يعني نسف الطائف.
اختل التوازن العددي بمرسوم التجنيس الذي صدر العام 1994، وما أدراكم ما حلَّ في ذلك العام من اضطهاد طاول المسيحيين، وجاء مرسوم التجنيس فصلًا موجعًا في «كتاب الاضطهاد».
كان ذلك المرسوم فضيحة العصر فشكَّل «مستودَعًا انتخابيَا»، تُوزَّع منه الأصوات. قُبِل الطعن بالمرسوم لكنه بقي على الورق فيما مفاعيل المرسوم ما زالت قائمة: قرابة ستمئة وخمسين ألف مجنسٍ أكثر من ثمانين في المئة منهم من المسلمين في مقابل عشرين في المئة منهم من المسيحيين، كان التجنيس يتم وفق «إخراج قيد عائلي»، وهذا ما لم يكن يحصل في أي مرسوم تجنيس.
إن الخطوة الأولى على طريق وقف مسار اللاتوازن يكون في إلغاء مفاعيل مرسوم التجنيس الذي أطلق سباقًا غير متكافئ في اتجاه الخلل، ومعظم المعنيين المباشرين بالوصول إلى هذا المرسوم ما زالوا على قيد الحياة وبالإمكان مساءلتهم.
الخطوة الثانية، وربما الأولى في الترتيب، تتمثل في أن يشمل أي تعداد المغتربين، فمن دون شمولهم بالتعداد تبقى العملية ناقصة، وهذه الخطوة يجب أن تُقرَن بإعطاء المغتربين كامل حقوقهم أسوة بالمقيمين.
هاتان الخطوتان (إلغاء مفاعيل مرسوم التجنيس، وشمول التعداد المغتربين)، يُسكِت الأصوات المسعورة التي تشهر سيف «العددية» وتقول:»صرنا 80 في المئة، ونريد كذا وكذا»، فمع إلغاء مفاعيل مرسوم التجنيس ومع شمول الإحصاء المغتربين، تسقط ورقة «العَدّ» من أيدي الرؤوس الحامية.
إن الأمور الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل البلد ومواطنيه لا تُحَل بشعارات استفزازية من مثل:
«صرنا هلقد، ودفعنا ثمن الحفاظ على هذا البلد دمًا، ونريد مكتسبات سياسية في مقابل عددنا وفي مقابل ما أعطينا»، هذا تهويل ساقط انطلاقًا من الاعتبارات الآنفة الذِكر. ألغوا مفاعيل مرسوم التجنيس، وادخلوا المغتربين في عدَّاد الإحصاء، وتفضلوا.
وبالمناسبة، لا يمكن احتساب المئة ألف صاروخ من ضمن التعداد، ولا حتى «الجغرافيا المصادَرة» ولا سيما في الجنوب والبقاع وجبل لبنان. سقطت خطة وضع اليد على البلد، بالإرهاب والمربعات الأمنية وسرايا المقاومة وإلغاء الحدود بين لبنان وسوريا، فانتقل «حزب الله» إلى الـ plan B الذي يوضع على الرف ثم يعود إلى الواجهة غب الطلب.
هذا الـ plan يجب أن يُسحَب من التداول، وفي حال أصر «حزب الله» على تعنته، فليُفتح ملف التجنيس وملف احتساب المغتربين.