IMLebanon

أسباب التنافس العالمي على إعادة إعمار مرفأ بيروت

 

منذ القدم ووفق الدراسات التاريخية فإن مرفأ بيروت يعتبر من أصلح الموانئ في المنطقة لرسو السفن وهو الميناء الذي تجد فيه المراكب أمانها في جميع الفصول.

يتعامل مرفأ بيروت مع 300 مرفأ عالمي ويُقدر عدد السفن التي ترسو فيه بنحو 3100 سفينة ومن خلاله تتم معظم عمليات الاستيراد والتصدير اللبنانية، وتمثل البضائع التي تدخل اليه نحو 70% من حجم البضائع التي تدخل لبنان، ويُعتبر ركيزة أساسية لتحريك العجلة الاقتصادية اللبنانية.

كما يحتل المركز الأول في المداخيل المركبة بنسبة 75% اضافة إلى دوره كمركز أساسي لتجارة اعادة التصدير وتجارة المرور والترانزيت.

من هنا ولأهمية ذلك المرفأ الجيواستراتيجية يقول مديره بالوكالة باسم قيسي بان الجميع مهتم به وباعادة اعماره، من الروس إلى الأتراك فالصينيين فالفرنسيين وأيضاً الألمان، ويضيف قيسي: هناك شركات المانية أعلن ممثلون عنها من بيروت خوض سباق اعادة اعمار المرفأ عبر بناء المانيا لمشروع ضخم تبلغ قيمته 30 مليار دولار، وتهدف الخطة الممتدة على نحو 20 عاماً إلى ابعاد غالبية انشطة المرفأ عن وسط المدينة وتشييد منطقة سكنية تحتوي على سقف بأسعار مقبولة وعلى مساحات خضراء وشواطئ خصوصاً في الأجزاء الأكثر تضرراً منه.

كما وضعت شركة CGM الفرنسية العملاقة رؤيتها الخاصة أيضاً لمستقبل المرفأ وقال المدير الاقليمي للشركة جو دقاق لوكالة فرانس بريس، ان زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون إلى منطقة المرفأ المنكوبة شكلت فرصة سانحة لتقديم مشروع متكامل من ثلاثة مراحل هدفه أولاً اعادة اعمار ما تدمر من المرفأ، وقدرت الشركة الفرنسية كلفة بناء المرحلتين الأولى والثانية بين 400 و 600 مليون دولار وفق دقاق، الذي أشار إلى أن المشروع يستحوذ على اهتمام 50 شركة ومؤسسة عالمية.

وقد تقدمت الشركة للمشاركة في مناقصة ادارة منطقة الحاويات بعدما نالت امتياز تشغيل محطة الحاويات في مرفأ طرابلس شمالي لبنان.

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية عماد سلامة فيقول أن اهتمام الدول لاعادة اعمار المرفأ مرده إلى أسباب عدة منها التنافس على التنقيب على الغاز في مياه المتوسط والتعاون الاقتصادي بين اسرائيل ودول عربية على خلفية اتفاقات التطبيع الأخيرة ثم التوسع الروسي في الشرق الادنى، ويختم سلامة قائلاً أن الجهة أو الدولة التي ستحكم سيطرتها على اعادة مرفأ بيروت سوف تحظى بنفوذ هام في عمليات التنقيب عن الغاز.

أما بالنسبة للصين فيقول سلامة بان تقوية وجودها في لبنان سيضعف النفوذ الغربي.

وفي تقرير نشره معهد واشنطن في دراسات الشرق الأدنى حذر ديفيد شينكر الدبلوماسي الأميركي الذي كان يقوم بدور الوساطة بين لبنان واسرائيل في ملف ترسيم الحدود البحرية من الطموح في لبنان عبر بوابة المرفأ، واعتبر أن أي دور فعال للصين سيشكل النتيجة الأسوأ لأوروبا والولايات المتحدة الاميركية.

وبالمناسبة، لقد زار منطقة المرفأ وفد من شركات استثمارية روسية برئاسة السفير الروسي في لبنان الكسندر روداكوف ونقلت وكالة سبوتنيك الروسية أن الوفد الروسي أعرب عن رغبته الشديدة في المساهمة الفعالة من خلال نظام BOT لمشاريع حيوية في لبنان وعلى رأسها مشروع اعادة اعمار مرفأ بيروت.

ويذكر أن الخبير الاقتصادي روي بدارو كان قد قال بأن الاهتمام الصيني بملف مرفأ بيروت يعتبر بالنسبة لبكين أمر في غاية الضرورة لأنه يشكل نافذة مباشرة إلى العراق وأربيل وقد رجح بدارو بأن لا تسمح الدول الغربية للصين باحراز أي تقدم في هذا السياق.

أيضاً وأيضاً وبالنسبة لتنافس الدول حول اعادة اعمار مرفأ بيروت فقد أفاد الخبير التركي دينييز تينسي في تقرير نشره بتاريخ 14 آب 2020 بأن العرض التركي لاعادة اعمار المرفأ وتحويل السفن إلى مدينة مرسين التركية مؤقتاً يهدف إلى تحقيق مكسب تجاري لتركيا، ويشكل خطوة نحو سعي أنقرة إلى ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، الامر الذي يهبها مكسباً في البحر المتوسط.

أما بالنسبة لفرنسا فيرتبط الاهتمام الفرنسي بمسألة اعادة اعمار مرفأ بيروت وتأهيله وتشغيله بعوامل سياسية استراتيجية بالغة الأهمية.

فمرفأ بيروت يمثل اليوم النقطة الوحيدة التي تخوّل بموجبها باريس المحافظة على نفوذ هام على طول الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، خصوصاً عقب التوسع الملحوظ للشركات الصينية على هذا المستوى، بعد توقيع بعض من هذه الشركات عقوداً لادارة موانئ حيفا وأشدود في فلسطين المحتلة.

لذا يرغب الفرنسيون في الوقت الراهن بالحفاظ على مرفأ بيروت كموطئ قدم في المنطقة في ظل دخول الصين كمنافس تجاري فولاذي على صعيد الاستثمار في الموانئ التجارية في شرق المتوسط كجزء لا يتجزأ من مبادرة الحزام والطريق الهادفة إلى ربط الصين بالعالم من خلال استثمار مليارات الدولارات في البنى التحتية المتعلقة بقطاع المواصلات، علماً أن الهيمنة الصينية لا تشكل الهاجس الاوحد لفرنسا، بل أيضاً فإن الوجود الروسي واهتمام شركاته بتوسيع نفوذها في منطقة شرق المتوسط يشكل عامل ضغط اضافي على فرنسا ما يجعلها تفكر في البحث عن كيفية تثبيت وجودها بقوة في آخر المواقع والمعاقل التي يمكن ان تحمي مصالحها وتصونها، والموقع هو لبنان.