IMLebanon

الإستحقاق في «نفق الاستخفاف»: هل يعطّل «الخماسية» وينحو إلى «الأحادية»؟

 

 

شكّل اللقاء الأخير بين سفراء «الخماسية» ورئيس مجلس النواب نبيه بري محطة مفصلية، تمسّ جوهر مهمّة عملهم في المستقبل وآليته. وكل ذلك يجري وسط هواجس جدّية من الّا يكون اللقاء قد قدّم شيئاً لتقريب وجهات النظر بين «الثنائي الشيعي» وحلفائه والمعارضة. وهو ما يعزز المخاوف على مصير «الخماسية»، إن إختصرها التفاهم على اليوم التالي في غزة بالأحادية الاميركية التي سيكون عليها رسم خريطة المنطقة. وعليه، ما هي المؤشرات التي تنحو في هذا الإتجاه؟

مهما نُشر وقيل عن اجواء ايجابية انتهى اليها اللقاء التقييمي الأخير لسفراء الخماسية مع بري، فإنّ هناك ما يعزز الشكوك في انّ ما ارادته اللجنة لم يتحقق سوى في حدّه الأدنى. فمسلسل الشروط التي تلقتها اللجنة من لقائها الأخير مع رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد وبعده مع بري، عززا اقتناعها بصعوبة المهمّة الهادفة الى إحياء الثقة في ما بينهما والكتل النيابية المعارضة، التي ما زالت تتوجس من كل ما تسمّيه أعرافاً وسوابق لم يُشر اليها الدستور في اي من مواده الخاصة بانتخاب الرئيس، ودور السلطة التشريعية وآلية الانتخاب. ففي مختلف المراحل التي تحدث عنها الدستور، لم يُشر الى طاولة حوار او تشاور، وذلك منذ ان حدّد مهلة الـ60 يوماً التي تسبق نهاية ولاية الرئيس إلى الايام الـ10 الاخيرة منها، وما تفرضه من انعقاد دائم للمجلس بدعوة من رئيسه او من دونها لانتخاب الرئيس العتيد، وعدم القيام بأي مهمّة اخرى قبل إنجاز هذه المهمّة.

وعليه، فإنّ الاشارة الى ما يقول به الدستور تبطل كل الأفكار البديلة المطروحة، بما فيها الإصرار على أنّ المجلس لا يمكنه القيام بأي مهمّة من دون دعوة رئيسه، الأمر الذي مورس أكثر من مرّة، بعدما عاشت البلاد حلقات من مسلسل تكرّرت فيه فترات خلت فيها سدّة الرئاسة من شاغلها في العقود الاخيرة. ولذلك، بات من الواجب انتظار كثير من التفاصيل التي انتهت إليها جولة الاتصالات التي اجرتها «الخماسية» مع مختلف الكتل النيابية والقوى المؤثرة في انتخاب الرئيس بمرحلتيها الاخيرة قبل عيد الفطر وبعده، وصولاً الى اللقاء مع بري، والذي ما زال كثير مما دار فيه موضع تقصٍ بهدف التثبت من بعض المناقشات التي حصلت وأوحت بها التسريبات المحدودة حتى الآن.
وعلى رغم من ضرورة انتظار ما يمكن ان تكشفه الايام المقبلة، فقد توقف بعض العارفين بخفايا الاتصالات والمطلعين على كثير من الحقائق، انّ ما حصل عزز الفرز القائم بين «الثنائي الشيعي» وحلفائه من جهة، وقوى المعارضة من جهة أخرى. وخصوصاً ما نُقل عن بري بعد اللقاء، لتستشعر الحاجة الى التشكيك بوجود مخارج مقبولة يمكن ان تفضي الى إمكان دعوة المجلس الى جلسة انتخابية تليها دورات متتالية لانتخاب الرئيس العتيد، الى درجة قيل انّها قد تكون بعيدة المنال والى أجل غير مسمّى، واي موعد يُحكى عنه في هذا الاتجاه سيكون ضرباً في رمال متحركة لا تقف عند حدود قدرات القوى الداخلية على التحكّم بها.
وعليه، فإنّ ما نُقل عن لسان رئيس المجلس بما معناه انّ «انتخابات الرئاسة ليست ناضجة بعد وثمة تقدّم بطيء». وإشارته الى انّ اللجنة التي طلبت إيضاحات منه في أكثر من نقطة لم تصل الى مرحلة الحديث عن «طلب عقد جلسة لانتخاب الرئيس»، قد قضت على كل آمال المعارضة في إمكان التفاهم معه على صيغة – مخرج تؤدي الى هذه المحطة المفصلية التي يمكن خوضها متى توافر قرار واضح لرئيس المجلس ومن خلفه من يسانده في هذا التوجّه الى انتخاب الرئيس في اي موعد يمكن ترقّبه.

ولا تقف هذه الملاحظة بما لها من جوانب سلبية عند موقف اكثرية أطراف المعارضة واقتناعها، لا بل فهي تسرّبت قبل تعميمها على مستوى بعض سفراء المجموعة الذين خرجوا من اللقاء من دون ان يعبّروا عمّا دار فيه بالصيغة التي أطلقها السفير المصري بعد اللقاء، بعدما أوكلت إليه مهمّة الناطق الرسمي باسمهم. لا بل فإنّ بعضهم شكّك بالنتيجة ورفض ان يسبغ عليها الصفة الإيجابية «في المطلق». كما رفض وجود ما «يمكن أن يؤسس إلى مرحلة انتخاب الرئيس». لكنهم شاركوه في اشارته الى انّه «سيكون هناك مزيد من التشاور في الأيام المقبلة مع الكتل النيابية»، مع علمهم المسبق باستحالة القيام بجولة جديدة على مستوى جماعي كما حصل في الفترة الاخيرة، وخصوصاً انّ بعضهم بدأ يعاني من تصرفات غير طبيعية تنعكس على حجم التفاهم في ما بينهم، ومدى اقتناعهم الثابت بإمكان تحقيق اي تقدّم في ظل المعطيات المتوفرة، ليس على المستوى الداخلي اللبناني فحسب وانما على المستويين الإقليمي والدولي.
وكل ذلك يجري، تزامناً مع بروز أكثر من رأي واقتراح يجري التداول به في الأوساط السياسية والديبلوماسية، ومن بينها واحد أعطى نواب كتلة «الإعتدال الوطني» دوراً مواكباً للجنة «الخماسية» بالحدّ الأدنى او بديلاً منها في حدّه الأقصى. وهو ما عبّرت عنه الجولة الجديدة التي بدأها نواب التكتل مع القيادات المعارضة قبل اللقاء مع بري، وهو ما تُرجم باللقاء مع رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل قبل اللقاء بساعات قليلة، واجتماعهم أمس برئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بعده.

وفي ظلّ التيه الذي تسبّب به شح المعلومات، فقد بقيت الساحتان السياسية والاعلامية مسرحاً لسيناريوهات تفتقر إلى الدقّة والوضوح وتنحو اكثريتها الى مزيد من التشاؤم في ظل فقدان أي مؤشر الى بلوغ مرحلة تحديد الخطوة الأولى الى الانفراج المتمثلة بشكل الحوار او التشاور الذي يفضي الى تحديد جلسة قبل ان تنجلي الاوضاع في غزة. وهو ما عبّر عنه أحد سفراء المجموعة الذي بلغ مرحلة متقدّمة من التشاؤم بقوله: «إنّ الحديث عن خطوات بمعزل عن النهاية المقدّرة لإحداث غزة يبدو أنّه ضرب من الوهم إن لم يكن أقرب الى الجنون». ولما تحاشى الإشارة الى موقف «الثنائي الشيعي» ليحمّله المسؤولية كاملة، قال انّ ما يعوق المهمّة ويزيد الشرخ يكمن «في القناعة الاميركية» انّه يستحيل القيام بأي خطوة في لبنان سواءً بالنسبة الى إحياء المفاوضات حول استكمال تنفيذ القرار 1701، او بالنسبة الى انتخاب الرئيس قبل تحقيق الهدنة في غزة والتفاهم على اليوم التالي.
وأمام هذه الإشارة التي ربطت بين الاستحقاقين الأمني والدستوري ـ يضيف العارفون ـ انّ محاولات الفصل بينهما باتت مستحيلة، وهو ما يتحكّم بمواقف الداخل والخارج. وفي مقابل تشدّد بري ومعه «حزب الله» بأولوية عقد طاولة حوار أو تشاور لا يمكن عقدها من دون دعوة بري، زاد تصلّب قوى المعارضة، لنعود بهذه المعادلة الى نقطة الصفر، وهو أمر خطير إن صحّت التسريبات التي تتحدث عن تشدّد اميركي في انّه لا حل في لبنان والمنطقة سوى ما ينسجه موفد الرئيس الأميركي عاموس هوكشتاين. وانتهى القول انّ الحديث عن عمر «الخماسية» يعبّر عن الاستخفاف بدورها ويقود الى انتظار إجباري للحظة التي يكتمل فيها السيناريو الأميركي الأحادي للمنطقة. ونقطة على السطر.