يلتقط اللبنانيّون أنفاسهم بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء مذكّرة التفاهم مع إيران، في وقت تعيش فيه المناطق الجنوبية حالة من القلق والترقب. وشهد الجنوب أمس نزوحاً مجدّداً، بعدما سادت أجواء من الذعر إثر التحليق المكثف للطائرات الحربية، وتداول معلومات عن احتمال تجدُّد العمليات العسكرية. ويأتي ذلك في ظل انهيار التفاهم الذي كان قد أوقف المواجهة العسكرية موقتاً، مع إعلان واشنطن استئناف الضربات العسكرية، واعتبار ترامب أنّ الاتفاق أصبح «منتهياً».
لكنّ السؤال الأبرز يبقى: هل توقفت الحرب الأميركية – الإيرانية أصلاً حتى تعود؟ أم أنّنا أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتخذ شكلاً أكثر خطورة وأقل قابلية للاحتواء؟
ترى مصادر مطلعة، أنّ إلغاء مذكرة التفاهم لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة فوراً، لكنّه يرفع مستوى المخاطر بشكل كبير، لأنّ الاتفاق كان يشكّل الإطار الوحيد الذي يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. ومع انهياره، تصبح كل الجبهات مرشحة للاشتعال، سواء في الخليج أو العراق أو سوريا أو لبنان، خصوصاً إذا استمرّت الضربات المتبادلة أو توسعت لتشمل أهدافاً جديدة.
لبنان.. الحلقة الأكثر هشاشة
أمّا لبنان، فيبقى الحلقة الأكثر هشاشة في هذا المشهد. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، سواء عبر ارتفاع منسوب التوتر على الحدود الجنوبية أو من خلال الضغوط السياسية والاقتصادية. ويزداد القلق لأنّ لبنان لا يزال يعاني أزمة اقتصادية خانقة، فيما أي مواجهة جديدة قد تعيد شبح النزوح والدمار وتعطل ما تبقّى من مقوّمات التعافي.
وتكتسب زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية المرتقبة إلى الولايات المتحدة أهمّية مضاعفة في هذا التوقيت، إذ يعوّل عليها لبنان للحصول على ضمانات سياسية ودعم دولي، يمنع انزلاقه إلى أتون مواجهة جديدة، ويؤكّد ضرورة تحييده عن أي صراع إقليمي. غير أنّ نجاح هذه المساعي يبقى مرتبطاً بحجم التصعيد الأميركي – الإيراني، وبقدرة القوى الدولية والإقليمية على إعادة فتح قنوات التفاوض.
سياسة «الردّ المدروس»
في المقابل، تبدو إيران أمام خيارات معقّدة. فهي لا ترغب، على الأرجح، في حرب شاملة تستنزف قدراتها، لكنّها في الوقت نفسه لن تقبل بتلقّي الضربات من دون ردّ، ما يعني أنّ سياسة «الردّ المدروس» قد تستمر، مع إبقاء باب التصعيد مفتوحاً إذا شعرت بأنّ مصالحها الاستراتيجية أصبحت مهدَّدة.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة:
* السيناريو الأول: احتواء التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات عبر وساطات إقليمية ودولية، وهو الخيار الأقل كلفة للجميع.
* السيناريو الثاني: استمرار الضربات العسكرية المحدودة والمتبادلة، بما يبقي المنطقة في حالة استنزاف من دون الوصول إلى حرب شاملة.
* السيناريو الثالث: خروج الأمور عن السيطرة نتيجة خطأ في الحسابات أو ضربة كبيرة، ما قد يؤدّي إلى حرب إقليمية واسعة تمتد تداعياتها إلى لبنان والخليج وأسواق الطاقة العالمية.
ويبقى السؤال الذي يشغل اللبنانيّين اليوم: هل ينجح المجتمع الدولي في احتواء التصعيد قبل أن تصل نيرانه إلى لبنان، أم أنّ البلاد ستجد نفسها مرّة جديدة في قلب صراع إقليمي، لا تملك القدرة على تحمل كلفته؟ وفي ظل التطوُّرات المتسارعة، تبدو الإجابة مرهونة بالساعات والأيام المقبلة أكثر من أي وقت مضى.