لم تنم أم زهير في تلك الليلة. حَزَمَت أغراضها، وجهّزت “تيرموس” القهوة مع العلم الأزرق، وضبطت التلفاز على “قناة المستقبل” على أمل أن يمر خبر عاجل من هنا، أو مقطع فيديو من هناك. إلّا أن ذلك لم يتحقق ولم يكن من نصيبها إلّا حلقات مُعادة من برنامج “خليك بالبيت” مع “الممانع” زاهي وهبي.
في صباح اليوم التالي، لم يكن الطقس صافيًا 100 % كما كانت تشتهي سُفُن التيار الأزرق، فاضطرت أم زهير وأترابها لحمل فوق أسفارها، الشمسية (زرقاء أيضًا بالمناسبة)، ثم انطلقت مع أم سامي وأم محمود صوب باحة مسجد محمد الأمين، لتحيي الذكرى 21 لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وتُكحّل ناظريها برؤية “الحبيب ابن الحبيب” الشيخ سعد.
أنا كعادتي، تسمّرت أما شاشة التلفزيون، بعد أن خلا لي الجو في المنزل. فعَمّرت نَفَس العجمي، وزرعت إلى جانبه ركوة قهوة سادة، ورحت اتنقل وأقفز من محطة إلى أخرى، أسترق السمع إلى سفاسف المحللين من بين الذين يظهرون مرة في كل سنة بهذا التاريخ بالذات (زوروني كل سنة مرة حرام)، ثمّ تهضمهم بعد ذلك الشاشات، وتَتغوّطهم عبر أثير الصحون اللاقطة في اليوم التالي لـ 14 شباط من كل سنة.
خطاب الشيخ سعد لم يحمل أيّ جديد: بكاءٌ ونحيب على أطلال اتفاق الطائف أضاعه هو نفسه. تغييب للقاتل وتورية له، مع بعض التلميح الخجول إلى السلاح ومسألة حصره بيد الدولة بأسلوب كلاسيكي “لايت” يكاد يحاكي “أكل المستشفيات” و “حمية الكيتو”… مع بعض العراضات والابتسامات للجنس اللطيف، ورمي الأمثال الشعبية الـ “ترند” بحسب Mood العام. مثلًا في السنة الفائتة كان عنوان “التراند” “كل شي بوقته حلو”. وأمّا اليوم فالمثل الشعبي الضارب كان: “مين جرّب المجرب… كان عقله مخرب”، مع العلم أن الشيخ سعد نفسه، مُجرّب بـ Carfax مضروب… لكن عمومًا، من يدري؟ لعل الذكرى المقبلة يكون المثل الرائج في حينه: “طول عمرك يا زبيبة وبط… هالعودة”.
“الحريريون سيكونون ناخبين”… تلك كانت الجملة المفتاح، التي انتظرها الجميع وأعلنها الشيخ سعد في خطابه، وردّدها ببغائيًا من خلفه، “سماحة الأمين العام”، ثم أعادت نشرها وسائل إعلام التيار الأزرق بلا أيّ تدقيق، حاسمة أن مسألة المشاركة بالانتخابات النيابية المقبلة باتت أمرًا محسومًا ومنزلًا.
لم يتنبّه الحريريون أن يكونوا ناخبين لها معنى، وأن يشارك التيار بلوائح انتخابية لها معنى آخر… لكن الفرحة أكلت الجو وأعمَت البصائر. نسي الحريريون أن في الانتخابات الماضية ناموا مشاركين بالانتخابات واستفاقوا على ضفاف “بِركة” نفخ في حيّ البرجاوي كرمز وعربون للمقاطعة… الله لا يقطعها بوجه حدا.