IMLebanon

«عالسِتّين يا بطّيخ…»

إهتمامٌ مستمرّ ظاهراً وباطناً بالاستحقاق الرئاسي وترشيحاته وتعقيداته الداخلية والخارجية، ولكنْ في العمق اهتمامٌ كبير ومتعاظم بالانتخابات النيابية في الربيع المقبل، في ظلّ استبعاد كثيرين فكرةَ التمديد لمجلس النواب مجدّداً.

لا شيء يُوحي بأنّ الأفرقاء السياسيين سيتّفقون على إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية، والحلّ في هذه الحال سيكون إجراء الانتخابات على أساس القانون النافذ، أي قانون الستّين، الذي «تلعنه الألسن وتحنو عليه القلوب»، وكثيراً ما قال رئيس مجلس النواب نبيه برّي، كلّما جيء أمامه على ذِكر فشلِ اجتماعات اللجان المشتركة والفرعية والحوارية في التوصّل إلى قانون انتخابي، إنّ غالبية الأفرقاء لا يريدون قانوناً جديداً وإنّما يريدون الإبقاء على قانون الستّين.

«عالسِتين يا بطيخ»، يقول أحدهم، مؤكّداً أنّ القوى السياسية بدأت تستعدّ لخوض الانتخابات على أساس قانون الستّين الذي أنتَج المجلس النيابي الحالي عام 2009 والممدّدة ولايتُه على دفعتين؛ الأولى في 2013 والثانية في 2014.. وما زال البحث جارياً. ويَجزم برّي بأن لا تمديد لولاية المجلس الحالي حتى ليومٍ واحد، فإجراء الانتخابات البلدية الأخيرة فضَح المستور وغيرَ المستور في التمديد النيابي من ذرائع سيقَت لتبريره، فيما جرَت الانتخابات البلدية في الظروف نفسِها ولم تخرَب البصرة التي كان الممدّدون يخشون خرابَها في حال جرت الانتخابات عام 2013 عندما انتهت فترة التمديد الأولى، وعام 2014 عندما انتهت فترة التمديد الثانية.

ولأنّ الانتخابات آيلةٌ للإجراء على اساس قانون الستين، بدأ العمل لنسجِ التحالفات وتقاسمِ «المغانم النيابية» مسبَقاً وفقَ مقولة «عالستّين يا بطيخ»، وستتمظهَر هذه التحالفات أكثر فأكثر في قابل الأيام والأسابيع والأشهر الفاصلة عن موعد الانتخابات التي ستُجرى حتماً قبل حلول شهر رمضان في مطلعِ حزيران أو أواخر أيار 2017.

وإزاء ما بدأ يتمظهَر من تحرّكات وتحضيرات انتخابية، بدأت الأضواء تسلَّط على الوسط المسيحي، خصوصاً على مستوى «القوات اللبنانية» و«التيار الوطني الحر» اللذين توطّدت العلاقة بينهما بعد تبنّي رئيس حزب «القوات» الدكتور سمير جعجع ترشيحَ رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون لرئاسة الجمهورية، إذ يتّجه الفريقان الى تحالف انتخابي يفرض تبادلَ مقاعد أو تقاسمَها في هذه الدائرة أو تلك.

بعض القوى المسيحية غير المؤيّدة لـ«القوات» تقول إنّ جعجع «يغازل» الرئيس سعد الحريري والشارع السنّي ويهاجم «حزب الله» ويساير عون ويؤكّد له أنّ تيار «المستقبل» والسعودية ليسا مسؤولين عن إعاقة وصولِه إلى رئاسة الجمهورية وإنّما «حزب الله»، وقيل إنّ جعجع طلبَ من «التيار الوطني الحر» عبر النائب ابراهيم كنعان التوقّف عن انتقاد الحريري «لأنو ما طالع بإيدو شي» على مستوى تبنّي ترشيح عون.

ويقول بعضٌ آخَر من السياسيين إنّ «القوات» بدأت تحضّر للانتخابات على أساس قانون الستّين، نظراً لصعوبة التوصّل إلى قانون جديد، في غياب راعٍ إقليمي لحصول اتّفاق على حلّ الأزمة ومِن ضمنِه قانون الانتخاب، ولأنّ الانتخابات ستُجرى وفق قانون الستّين لصعوبة التمديد للمجلس النيابي مجدّداً لدى الرأي العام، وتعمل «القوات» على حجز مقاعد لها في الدوائر ذات الصوت السنّي المرجّح، واختراق الجدار المسيحي من خلال دعمِها المعلن لعون، فيما هي تدرك أن لا حظوظ كبيرة له في الرئاسة، فهي تعطيه من حسابه هادفةً إلى الفوز بكتلة نيابية كبيرة من خلال التحالفِ مع تيار «المستقبل» و«التيار الوطني الحر»، بحيث تُجري مقايضة بينها وبين عون تأخذ بموجبها بعض المقاعد في جبل لبنان مقابل إعطائه مقاعدَ في دوائر زحلة والأشرفية (الدائرة الأولى في بيروت) والكورة والبترون، وضمن المقايضة ثمَّة إغراء لرئيس «التيار» جبران باسيل بتأمين مقعدٍ نيابيّ له في البترون بعد سقوطِه في دورتَين، فضلاً عن سقوطه في الانتخابات البلدية.

ويرى بعض خصوم «التيار» و«القوات» أنّ هناك تشابكاً في الأجندات، وأجندة «التيار» هي رئاسة الجمهورية لعون كونه رئيسَ أكبر كتلة نيابية، فالتيار يَعرف «نيّات النيات» لدى «القوات» ولكنّه «يطنّش». فيما هناك طرفان يدركان هذه «النيّات» وهما تيار «المستقبل» و»حزب الله».

«المستقبل» يَعتبر أنّ لديه «حساباً قديماً» مع «القوات» يتمثّل في «قَودمةِ» جعجع على الحريري في المملكة العربية السعودية وأنّه أوّل من أبرزَ صورةَ أنّ الحريري «ضعيف» في المملكة بالتزامن مع «الحفرة» التي حفرَها (أي جعجع) لعون في السعودية بتصويره أنّه مرشّح «حزب الله»، وهي لا تزال قائمةً وتتمثّل بـ»الفيتو» السعودي على ترشيحه، وإذا أراد عون أن يحاسب أحداً على ما هو فيه فعليه أن يحاسبَ جعجع.

ويقول هؤلاء الخصوم إنّ «المستقبل» لن يصطدمَ بالجدار مرّتين، لأنه يَعتبر أنّ المسيحيين المستقلين وحزب الكتائب «كانوا أوفياء» معه أكثر من «القوات»، وبالتالي سيتحالف معهم، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة التي شجّعت نماذج مِثل نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري والنائبين بطرس حرب وفادي حبيش ومن يشبههم. وفي هذه الحال ستعجز «القوات» عن إقناع «المستقبل» بانتخاب مرشّحي عون في الدوائر التي يمكن أن تتبادل المقاعد فيها معه، وذلك في ضوء العلاقة المستجدّة التي تأخذ بُعداً متيناً بين تيار «المردة» كحزب مسيحي وبين «المستقبل».

أمّا على جبهة «حزب الله»، وهنا المهم، فإنّه مستعدّ لإعطاء عون ولكن ليس لإعطاء «القوات» وهذا ما تخشاه، والمثال زحلة، هذه الدائرة التي تَعتبر «القوات» نفسَها فيها «أمّ الصبي» بحيث يمكنها أن تقايض عون هناك مقابل ما تأخذه منه في جبل لبنان، وفي هذه الحال فإنّ الناخب السنّي سيصوّت لميريام سكاف، وكذلك الكتائب لن يعطوا «القوات»، «لحسابات قديمة»، وبالتالي لن يعطوا عون.

أمّا الناخبون الشيعة فالموالي منهم لـ«حزب الله» سيعطي عون وميريام سكاف، والأخيرة ستأخذ أصوات الناخبين الموالين لحركة «أمل»، بمعنى أنّ سكاف ستأخذ الاصوات السنّية والشيعية علاوةً على الاصوات المسيحية في زحلة، وبالتالي اصبحَت هي المحور، فيما «التيار الوطني الحر» يرفض هذه الحال ويَعتبرها مكمن ضعف «القوات»، ما يَعني أنّ التحالفات على اساس قانون الستين ستكون تحالفات غامضة نظراً لخلطِ الأوراق الذي حصل بنتيجة الترشيحات الرئاسية.

ويعتقد هذا الفريق من السياسيين أنّ هناك خلط أوراق جديداً على المستوى المسيحي يتمثّل في أنّ النائب سليمان فرنجية ارتقى إلى مرتبة القطب المسيحي الأساسي في مواجهة عون، فما الذي يَمنع في هذه الحال تمدّدَ «المردة» على مستوى جبل لبنان بفعالية؟ ومَن قال إنّ ما يمتلكه فرنجية على مستوى الوجدان المسيحي العام لا يمكن ترجمته انتخابياً؟

ويُنقل عن «قواتيين» قولهم: «ما عجزَ جعجع عن أخذِه من عون في الحرب سنَأخذه منه في السِلم»، وذلك في معرض تعليقِهم على مواقف باسيل. وفي هذا السياق يستعيد البعض تغريدات لجعجع على «تويتر» عامي 2013 و2014 للدلالةِ على ما بناه من مواقف ليعارض ترشيحَ عون للرئاسة، ففي تغريدتين عام 2014 قال: «عون لديه تصوّر معيّن للبنان ترجَمه في السنوات التسع الأخيرة، فكيف نسير به رئيساً للجمهورية»، و«عون أتى رئيساً لسنتين ورأينا ماذا قام به والبعض يقول لنا «جرّبوه» لكنّنا جرّبناه ورأينا النتائج».

وفي تغريدة له عام 2013، قال جعجع: «موقف سليمان فرنجية كان أشرفَ بكثير من موقف عون في أزمة قانون الانتخابات».

ويقول أحد السياسيين المسيحيين: «إذا أتينا بميزان ووضَعنا في إحدى كفّتيه الضَرر الذي يصيب «القوات» في حال فوز عون بالرئاسة، ووضَعنا في الكفّة الأخرى الضَرر الذي يصيبها إذا فاز فرنجية، فإنّ الكفّة الأولى ترجَح، وفي هذه الحال فإنّ «القوات» لا تريد عون ولا فرنجية رئيساً، لأنّها ستتضرّر من فوز أيّ منهما وإنْ تفاوتَت نسبة الضرَر بينهما». وفي هذا المجال يُنقل عن مسؤول «قوّاتي» قوله: «ننزل إلى الشارع من أجل موضوع واحد هو قانون الانتخاب».

وهذا الموقف «القواتي» مردُّه إلى أنّ «القوات» إذا ذهبَت إلى الانتخابات على أساس قانون الستّين ستكون في حاجة إلى التحالف مع «الرابية» و«بيت الوسط» لضمان المقاعد النيابية التي تريدها، أمّا إذا ذهبَت إلى انتخابات على أساس النظام النسبي فستكون سيّدة نفسِها إلى «حدّ معيّن» على حدّ ما يُنقل عن «قواتيّين».

ولكن في ظلّ استحالة إقرار القانون النسبي، تحاول «القوات» الآن التوافق مع «التيار الوطني الحر» و«المستقبل»، وتبدو حظوظها في التحالف مع العونيين أقوى، كون «التيار» يريد أن يكون رئيسه الوزير جبران باسيل نائباً، إذ يصعب على الأخير الفوز في البترون إذا لم يتحالف مع «القوات».