فصلٌ أول:
منذ مئة عام ونيّف طَالبَ البطريرك الطوباوي إلياس الحويّك، بدعم وموافقة معظم الشخصيّات الوطنيّة ومعظم رؤساء المذاهب الدينيّة في حينه وفي مقدّمتهم مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، طالب بحدود «لبنان الكبير» لِيَجعَل منه بلدَ عيشٍ مشترك بين ثمانية عشر مذهباً، وليكون هذا الوطن أجمل فسيفساء تعايشيّة على مساحة الكرة الأرضيّة.
الحويّك ورفاقه جعلوا من لبنان وطناً في خدمة جميع أبنائه. فهل يكون جميع أبنائه في خدمة وطنهم حصراً أم في خدمة أوطانٍ أخرى؟
فصلٌ ثانٍ:
يندهش المُراقب مِن كميّة الأنفاق المحفورة على مدى أربعين سنة في معظم القرى والبلدات الجنوبيّة، ويندهش مِن طولها وعرضها ومساحاتها وما تختزنه مِن مقاتلين ومن مسيّرات وصواريخ وشاحنات وآليات، وكأنّ من حَفَرَها كان متأكّداً أنّ إسرائيل ستعود يوماً لتدخل الى لبنان بسبب هجومات عسكريّة قتاليّة ستنطلق من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل.
فكرتان تراوداني عن الأنفاق.
الفكرة الأولى هي أنّ المنطق يقتضي أن تُحفَر الأنفاق من لبنان الى تحت البلدات الإسرائيلية لتهديد أمنها واحتلالها.
فماذا ينفع «حزب الله» في حربه مع إسرائيل أن تكون الأنفاق على بُعدِ عشرات الكيلومترات من الحدود الإسرائيليّة؟
وللعِلم، كان قد سَبَقَ لإسرائيل في العامين ٢٠١٨ و٢٠١٩ أن أعلَنَت عن اكتشافها لأنفاقٍ حُفِرَت من لبنان باتجاه الأراضي الإسرائيليّة، وقد أكّدت قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب أقوال إسرائيل.
الفكرة الثانية:
فلنتخيّل للحظة، لو أنّ هذه الأنفاق الممتدّة على عشرات الكيلومترات والتي حَفَرَتها إيران لتجعلها خنادق موت للبنانيّين، لنتخيّل لو استبدلتها إيران ببناء شبكة مترو بين البلدات الجنوبيّة وقلاعها الأتريّة، لو فَعَلَت لَكَانَت جَعَلَت من جنوب لبنان منطقة سياحيّة نموذجيّة عالميّة لا مثيل لها، ولكنّا استبدلنا الخنادق بالفنادق.
إلّا إذا كانت الفنادق من رَجَس الشيطان!!
وإلّا إذا كانت السياحة والإنماء والازدهار من المحرّمات الفقهيّة.
فصلٌ ثالث:
اختلف الكلام الرئاسي في «البيت الأبيض» عن الكلام في السفارة خاصّة بالنسبة لجدول الأولويّات، على طريقة السؤال المحيّر الذي يبقى بلا جواب: مَن وُجِدَ قبل، البيضة أم الدجاجة؟
ففي «البيت الأبيض» أمام الرئيس ترامب، كان الكلام واضِحاً عن السعي الى السلام الدائم والمُستَدام بين لبنان وإسرائيل وعن الدعم الأميركي للجيش اللبناني بكلّ الوسائل لكي تستطيع الدولة بسط سلطتها بقواها الذاتيّة، حصراً، على جميع الأراضي اللبنانيّة، ولكي تُنزَع «الأعذار» من إسرائيل في احتلالها جنوب لبنان.
في السفارة اللبنانيّة اختلف الكلام، وصار المطلوب نزع الأسباب والمسبّبات التي أوصَلَت «حزب الله» الى حمل السلاح خارج الشرعيّة.
بما معناه أن لا مجال لحصريّة السلاح بدون الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وعَودَة النازحين والأسرى، وبعد ذلك يتم البحث في حصريّة السلاح بيد الجيش اللبناني من خلال استراتيجيّات تحت مسمّيات شتّى.
كلنّا نعلم أنّ البلدَ مقسومٌ بين نظريّتين:
الأولى تقول أنّ الاحتلال الإسرائيلي يستدعي ويحتّم وجود سلاح في يد «حزب الله»،
والنظرية الثانية تؤكّد أن سلاح «حزب الله» هو مَن يستجلب الاحتلال الإسرائيلي كما يحصل منذ العام ٢٠٠٦، مروراً بحرب «إسناد غزّة» في العام ٢٠٢٣، وصولاً الى حرب الانتقام «للمرشد الخامنئي» في العام ٢٠٢٥، والحَبل على الجرّار.
لن نغوص في هذا النقاش، وستبقى ثقتنا كبيرة بفخامة الرئيس ودولة رئيس الحكومة والحكومة مجتمعة وبالجيش اللبناني، لِيُخرِجوا لبنان من دوّامة الحروب الغارق فيها منذ أكثر من خمسين سنة، فنعيش بسلام واستقرار وازدهار مُرَدّدين جميعاً مع الطوباوي الحويّك حكمته الرائعة:
«طائفتي لبنان، وأنا لكلّ اللبنانيّين».