IMLebanon

إلى متى يستطيع العسكر حماية السلطة؟

 

 

قبل أن تولد باتت الحكومة المنتظرة بحكم المنتهية الصلاحية أو الميتة. كان الرهان على أن تكون هذه الحكومة خشبة الخلاص من الإنهيار، ولكن ما حصل على صعيد التأليف بعد إشكالات التكليف أسقط هذا الرهان وجعلها كأنها خشبة في نعش الجمهورية. مشهد المواجهات التي دارت في محيط مجلس النواب في وسط بيروت على مدى أكثر من يوم، أظهر أن السلطة التي تحاول أن تقاوم عملية التغيير وأن تجدد ولايتها على حساب المطالب الشعبية، باتت بحكم الساقطة عملياً وأن ما يمنع سقوطها هو الحماية التي تؤمنها لها القوى العسكرية فقط. فهل ستتمكن هذه القوى من الإستمرار بهذه المهمة حتى إشعار آخر؟

ليست المرة الأولى التي يجمع فيها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في قصر بعبدا أعضاء من مجلس الأمن المركزي، بحثاً عن سبل جديدة للمواجهة وعن أسباب الأزمة وأهداف الإنتفاضة الشعبية وتحديد هويات مثيري الشغب والجهات التي تقف وراءهم. فمنذ انطلقت الثورة في 17 تشرين حصل أكثر من اجتماع وكانت هناك تقارير ومعلومات ولكن كل ذلك لم يمنع استمرار الإحتجاجات. كأن أساس المشكلة يكمن في الأمن وأن حلها يكون من خلال الأمن، بينما الواقع يقول أن المشكلة سياسية وحلها يكون بالسياسة وهو يعود أولاً وأخيراً إلى السلطة السياسية التي تريد أن تضع قوى الأمن من جيش وقوى أمن داخلي في مواجهة الشارع.

 

في الواقع هذا ما تقوم به هذه القوى منذ ما قبل 17 تشرين الأول. كانت التوقعات كلها تشير إلى أن الإنتفاضة يمكن أن تحصل في أي لحظة، ولكن السلطة كانت تعتبر دائماً أن هذه اللحظة لن تأتي وأن الإعتراضات لن تتعدى الشعارات وبعض التحركات التي تبقى محصورة ومعزولة، ولكن ما حصل تخطى هذه التوقعات وقلب الأمور رأساً على عقب.

 

الخطوط الحمراء

 

منذ 17 تشرين الأول تولى الجيش وقوى الأمن الداخلي مسؤولية الإمساك بالوضع الأمني ومنع تحول الإعتراضات الشعبية في الشارع إلى مواجهات. ولكن المهمة كانت صعبة ومعقدة. في المرحلة الأولى كانت هناك انتقادات من السلطة للجيش اللبناني على خلفية أنه متواطئ مع الشارع ولا يقوم بما هو مطلوب منه رسمياً من أجل منع التظاهرات وفتح الطرقات بالقوة، ولكن قيادة الجيش وضعت حدّاً لذلك عندما أعلن العماد جوزف عون الخطوط الحمراء التي يتحرك بينها الجيش، وهي تتعلق بحماية المتظاهرين وحقهم في التظاهر وفي الوقت نفسه حق الناس في الإنتقال ومنع إقفال الطرق بشكل كامل. وقد تحقق هذا الأمر عملياً عندما تم فتح الطرقات بعد تحقيق مطلب استقالة الحكومة.

 

ولكن هل كان من المتوقع أن تستمر الأزمة كل هذا الوقت؟ هل كان هناك تقدير بأن يبقى الجيش في الشوارع منذ 17 تشرين الأول؟ لقد خاض الجيش مواجهات عسكرية في نهر البارد في العام 2007 وفي جرود عرسال بين العامين 2014 و2017 وفي عبرا وفي طرابلس، ولكن تلك المواجهات كانت مفهومة من الناحية العسكرية لأنها كانت معارك بكل ما للكلمة من معنى ضد عدو تمثل كل مرة في جهة محددة، وكانت تلك من مهام الجيش الأساسية. ولكن ماذا يفعل الجيش مع الإنتفاضة التي يعتبر أن من مهامه حمايتها في سلميتها؟

 

يستطيع الجيش أم يمنع قطع الطرقات إذا حصلت محاولات معزولة وقامت بها جهات محدودة بالعدد. ولكن إذا حصلت عمليات شاملة وبأعداد كبيرة فلا يمكنه أن يدخل في مواجهة كبيرة إلى هذا الحد، تحتاج إلى عدد كبير من العسكريين لا يمكنه أن يزجه كله في الشوارع، لأن على عاتقه تقع مهمات أمنية أخرى على كامل الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية. وهذا ما كان عليه الوضع يوم الثلثاء 14 الجاري عندما استعاد الحراك المدني عملية قطع الطرقات ليوم واحد فقط، لينتقل المشهد بعدها إلى ساحات مدخل مجلس النواب في وسط بيروت بعد أيام على مواجهات حامية دارت في شوارع الحمرا وأمام مصرف لبنان.

 

المواجهة حول مجلس النواب

 

ليس من الممكن أن يبقى أكثر من مليون ونصف مليون لبناني في الشارع كل يوم، للتأكيد أن الثورة مستمرة وأن أكثرية الشعب اللبناني تطالب بالعدالة والإصلاح ومكافحة الفساد والفاسدين وبتشكيل حكومة أخصائيين مستقلة. وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يبقى الجيش وقوى الأمن في الشارع أيضاً كل هذا الوقت.

 

في 12 تشرين الثاني الماضي كان هناك موعد لعقد جلسة عامة لمجلس النواب، لمناقشة بعض مشاريع القوانين وأهمها مشروع قانون العفو عن عدد كبير من الجرائم، ولكنها تأجلت أسبوعاً بسبب الإعتراض الشعبي عليها. في الموعد المقرر سبق الشعب النواب إلى الساحات ومنعت الجلسة بالقوة بسبب قطع الطرقات المحيطة بالمجلس. وتم توجيه انتقادات مباشرة إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن لأنها لم تمنع قطع الطرقات. وكان من اللافت تحول مجلس النواب إلى وجهة جديدة للإعتراض وتحول الشارع الممتد من الصيفي إلى الجامع العمري ساحة للمواجهة منذ يوم السبت 18 الجاري. بحكم توزيع المناطق عسكرياً بين الجيش وقوى الأمن وضعت بيروت تحت سلطة قوى الأمن الداخلي. سريعاً تحولت التظاهرة، التي كان من المفترض أن تبقى سلمية، إلى حرب محدودة أرهقت قوى الأمن وأوقعت العديد من الإصابات بين صفوفها وبين المتظاهرين. هذا الأمر استدعى الإستعانة بالجيش. ولكن على رغم حضور قوى منه تكرر المشهد يوم الأحد 19 الجاري أيضاً.

 

كما القصر الجمهوري في بعبدا والسراي الحكومي في وسط بيروت يعتبر مجلس النواب مقراً رسمياً أساسياً ينبغي تأمين الحماية اللازمة له. المسألة تتعلق برمزيته أولاً وبالشرعية التي يمثلها على رغم بدء المطالبة بانتخابات نيابية مبكرة على أساس أن الثورة سحبت الثقة من النواب. كانت جلسة مناقشة الموازنة العامة مقررة على مدى يومي 22 و23 الشهر الحالي ولكن تم تأجيلهما إلى 29 و30. السبب ربما يكمن في الخوف من تجدد الإنتفاضة في محيط المجلس ومنع انعقاد الجلسة. ولكن هذا الأمر يطرح السؤال الذي يؤرق السلطة وما تبقى منها: ماذا يمكن أن يحصل إذا تم تشكيل الحكومة وتم تحديد موعد لعقد جلسة نيابية لمنحها الثقة؟ هل يمكن تأمين أمن الجلسة؟ وهل يستطيع الجيش وقوى الأمن تأمين وصول النواب إلى البرلمان؟ مواجهة حكومة المواجهة

 

بعد التجاذبات التي استهلكت عملية تشكيل الحكومة لم يعد بالإمكان الدفاع عنها أمام الناس. لقد فقدت هذه الحكومة المفترضة ثقة الناس فكيف يمكن أن تحميها ثقة من سيصوّت لها في المجلس النيابي؟ أكثر من ذلك، هذه التركيبة باتت تحتاج إلى ثقة من النواب الذين سموا رئيسها الدكتور حسان دياب. بالكاد يتم بذل الجهود للحصول على هذه الثقة بعد اعتراضات الوزير السابق سليمان فرنجية والنائب طلال أرسلان والحزب السوري القومي الإجتماعي. وطالما أن الأزمة تعتمل داخل هذا الفريق الذي عجز لأسابيع عن تأمين تشكيل حكومة اللون الواحد، فلماذا على الجيش وقوى الأمن أن يؤمنوا انعقاد الجلسة والإستمرار في حماية مجلس النواب؟ثمة اقتناع عبّر عنه قائد الجيش العماد جوزف عون حول دور الجيش في هذه المرحلة يوازن فيه بين حماية التظاهرات والمتظاهرين وتأمين الأمن وحماية المؤسسات. ولكن هل على الجيش أن يقمع المتظاهرين من أجل السلطة التي أعربت أكثر من مرة أنها تريد أن تحاسبه؟ وهل هو جيش السلطة أم جيش الشعب؟

 

من ينقذ لبنان؟

 

منذ بداية الإنتفاضة حرص قائد الجيش على تظهير موقف المؤسسة العسكرية بعيدا من التسييس من خلال جولات قام بها على المواقع العسكرية معتبراً أن الأيام ستثبت أن الجيش هو الذي أنقذ لبنان. ولكن بعد ثلاثة أشهر لا يمكن أن يبقى الجيش منتشراً على هذا الشكل في الشوارع في عملية استنزاف لدوره وقوته وإمكاناته. لقد برهنت الأحداث أن ما تبقى من السلطة بات بحكم الساقط سياسياً وأمنياً وعسكرياً، وأن ما يمنع هذا السقوط هو الحماية التي لا يزال يؤمنها الجيش وقوى الأمن. قد يستطيع الجيش أن يتابع هذه المهمة لو كانت هذه السلطة تبحث فعلاً عن حل للأزمة وعن مخارج منها لا عن حلول لها للخروج من أزمتها هي. وقد يستطيع أن يدافع عن حكومة إنقاذ نادى بها المنتفضون والمجتمع الدولي لا عن حكومة تقاسم للحصص والذهاب السريع إلى الإنهيار. فالحل يبقى أولاً وأخيراً سياسياً. والقوى العسكرية يحميها ويحصنها القرار السياسي الصادر عن سلطة سياسية قادرة على أن تكون بمستوى الأزمة وليس مجرد سلطة تبحث عن حماية قوى الأمن.