IMLebanon

البلد زفت (بقلم بسام أبو زيد)

لا يفترض ببعض المواطنين اللبنانيين أن يتذمروا إذا علقوا ساعات على الطرقات بسبب الزفت، الذي هو واحد من أهم عوامل إنتاج السلطة في لبنان منذ زمن طويل.

ففي كل موسم انتخابي تتكاثر الرشاوى على أنواعها من مرشحين قدامى وجدد ومن الجهات السياسية التي تتبناهم ومن أبرز هذه الرشاوى هي الزفت الانتخابي. والكثير من المواطنين وأحيانا قرى وأحياء بكاملها يقترع الناخبون فيها لهذا المرشح أو ذاك لأنه قد غمرهم بالزفت، زفت الحفر وزفت الطرقات وزفت أمام المنازل إلى درجة يقال فيها إن الزفت طال السطوح.

تلك هي ثقافة الزفت في لبنان، لا بل ديمقراطية الزفت الذي يرجح كفة مرشح على آخر في الكثير من الأوقات. وعجبي كيف تتصاعد أصوات بعض الناس على الانتظار ساعات جراء التزفيت وهم من ساهموا جراء حفنة من الزفت في إيصال الكثير من المسؤولين إلى مواقع في السلطة على مختلف المستويات، حتى أن اسم “المحدلة” دخل في القاموس السياسي الانتخابي اللبناني.

على بعض المتذمرين من الزفت والتزفيت أن يعاقبوا أنفسهم أولا على ما اقترفت أيديهم وضمائرهم، وكذلك يجب أن يفعل كل المواطنين الذين اقترعوا بدافع من رشاوى انتخابية وهي لا تعد ولا تحصى وتأتي تحت ذرائع ومسميات متعددة.

التبرع لبناء دور العبادة في زمن الانتخابات هو رشوة، والتبرع لمواطنين في زمن الانتخابات هو رشوة، وشراء الأصوات زمن الانتخابات هو جريمة يعاقب عليها الراشي والمرتشي، والتوظيف في زمن الانتخابات هو جريمة موصوفة ومشهودة، لاسيما إذا أقدم عليها من هم في السلطة وقد فعلوها وهم يدركون أمرين: إن شراء الضمائر والذمم أمر سهل ومباح وأن العقاب أمر غير متاح.

بعض من هم في السلطة هم نتاج كل تلك الرشاوى وغيرها، ونتاج مواطنين دفعهم اليأس والحاجة إلى بيع لحظة تقرير المصير بأبخس الأثمان فمهما ارتفع البدل المالي أو الخدماتي، فهو لا يوازي لحظة معاناة واحدة ناجمة عن سوء الإدارة وغياب المحاسبة.

هذه التجارب تتكرر في لبنان، ونكرر نحن المواطنون أخطاءنا في حق بلدنا وأنفسنا وأولادنا فنرفع الصوت ونتذمر ونشكو ولكننا نعود إلى تكرار التجربة السيئة.

هذا هو حالنا نحن اللبنانيين، حالنا زفت نرمي بأنفسنا تحت المحدلة ونصرح لبرهة جراء الألم ثم نستكين لفترة لنعود للمطالبة بالزفت.