IMLebanon

في بلد الحريات… “خلصنا بقى”!

“خلصنا بقى!”. صرخة بات من حق الاعلاميين والصحافيين أن يطلقوها من أعماق قلوبهم وأقلامهم  وعدساتهم ومنابرهم. كيف لا ونحن في بلد الحريات المسمى لبنان. نعم! في بلد الحريات هذا، ما عدنا نعرف إذا ما كانت الحرية ستبقى على قيد الحياة، بعدما كانت علة وجوده الأولى وميزته الأكبر والأبرز.

وفي بلد الحريات هذا، لا يكاد يمر يوم إلا ويستدعى فيه صحافيون وناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتحقيق معهم، على خلفية آراء شخصية لا تلزم إلا أصحابها عبر صفحات تحولت مساحات من الحرية الافتراضية، تبدو وكأنها بدأت تملأ فراغا قاتلا مخيفا تتركه الحرية في لبنان. ذلك أن في لبنان الحريات هذا، يترك الصحافيون والصحافيات وحيدين إذا قررت المؤسسات التي يعملون فيها إقفال أبوابها نهائيا، كما هي الحال مع كثير من الصحف والشاشات، وآخرها تلفزيون المستقبل الذي أعلن رئيس الحكومة سعد الحريري “تعليق عمله” قبل العودة بحلة جديدة، بعد 26 عاما بثت خلالها القناة أفكار ورؤية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التي أكمل رسمها الحريري الابن قبل أن تجري الرياح المالية الاقتصادية بما لا تشتهيه سفنه الطموحة.

جرى كل هذا فيما كان الزميلان بشارة شربل، رئيس تحرير جريدة ” نداء الوطن”، وجورج برباري يمثلان أمام النائب العام التمييزي بالوكالة عماد قبلان للتحقيق في مانشيت اعتبرت ردا على موقف سياسي ذي سقف عال بامتياز، التزمت السلطة إزاءه صمتا مرعبا. غير أن الأهم السلطات القضائية لم تكتف بهذه “الرسالة” إلى الاعلاميين، بل ذهبت أبعد. ذلك أن  النائب العام الإستئنافي في بيروت القاضي زياد أبو حيدر إدعى أمس على الصحيفة والزميلين شربل وبرباري بالمادة 36 من المرسوم الإشتراعي رقم 104/77 (قانون المطبوعات) معطوفة على المادة 23 (المسّ بكرامة الرؤساء) من المرسوم الإشتراعي عينه، معطوفة على المادة 210 ق.ع. (مسؤولية الهيئات المعنوية) وأحالهم إلى محكمة المطبوعات.

لم يكن ينقص أمام هذه الوقائع التي تحمل بين طياتها خلاصات سوداء إزاء الحريات ومستقبلها، إلا دخول الصحف ووسائل الاعلام في سجال مع أحد كبار القيمين على أحد أهم الصروح الجامعية في البلاد رئيس الجامعة اللبنانية فؤاد ايوب، ذاهبا إلى حد طلب شطب كل المعلومات المتعلقة به من الجرائد ووسائل الاعلام. ذلك أن بدلا من المساهمة، من موقعه، في تنمية ثقافة الحرية وإبداء الرأي وتقبل الرأي الآخر، اختار طريقا يخالف مسار رسالته: قمع الصحافيين وإسكاتهم في مخالفة المبدأ الحق في الوصول إلى المعلومات، الذي يكرسه القانون الذي أقره المجلس النيابي السابق، معطوفة على التهديد بالاستمرار في ملاحقة الاعلاميين … بتهمة… تأدية واجباتهم المهنية وتأمين حق الناس في الاطلاع والمعرفة.

في الخلاصة، تصح استعارة السؤال الشهير من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط: الاعلام في لبنان… إلى أين؟ لكن السؤال الأكبر هو ذاك الموجه إلى الدولة اللبنانية:  هل يمكن المضي في السكوت على هذا الاجهاز المركز على علة وجود لبنان؟ قد يكون ذنبنا الوحيد أننا في بلد يبدو الضعيف فيه مكسر العصا دوما.. ويترك وحيدا فيما الأقوياء يكتفون بشعار القوة… أيا كان معناه الحقيقي!